الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
310
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
وقال للعباس : فضحت آباءك وفضحتني ونفسك . فنكس رأسه ، فأمر الرشيد بإعطائه ثلاثين ألف درهم وخلعة وحمله على بغلة ، وقال له : بحياتي لا تذكره في شعرك تصريحا أو تلويحا . وفتر عمّا كان همّ به من التزويج إليه واطرحه بعد . ولا يزال ربيعة بعده يعبث به في حضرة الرشيد ، فجاء العباس يوما إلى الرشيد ببرنية غالية وقال : هذه غالية صنعتها لك بيدي اختير عنبرها من بحر عمان ومسكها من مفاوز التبت وبأنها من ثغر تهامة ، فالفضائل كلّها مجموعة فيها ، والنعت يقصر عنها . فاعترضه ربيعة فقال : ما رأيت أعجب منك ، إنّ تعظيمك هذا عند من تجبى إليه خزائن الأرض وتذلّ له جبابرة الملوك وتتحفه ببدائع ممالكها حتى كأنّك قد فقت به ما عنده ، أو أبدعت له ما لا يعرفه ، لا تخلو فيه من ضعف عقل أو قصر همّة ، أنشدتك أيّها الخليفة إلّا جعلت حظي من كلّ جائزة سنتي هذه الغالية حتى أو فيها حقّها . فقال : ادفعوها إليه . فدفعت إليه فأدخل يده فيها وأخرج ملئها وحلّ سراويله وأدخل يده فلطّخ بها استه وأخذ حفنة أخرى فطلى بها ذكره وأنثييه وأخرج حفنتين فطلى بها إبطيه ، ثم قال للرشيد : تأمر غلامي يدخل إليّ فأدخل فدفع إليه البرنية غير مختومة وقال له : اذهب بها إلى جاريتي فلانة وقل لها : طيّبي بها حرّك واستك حتى أجيء الساعة وأنيكك ، فأخذها الغلام ومضى ، فضحك الرشيد حتى غشي عليه ، وكاد العباس يموت غيظا ( 1 ) . « والجبن منقصة » في ( الظرائف ) : يقال : الشجاع محبب حتى إلى عدوهّ ، والجبان مبغض حتى إلى اللّه ( 2 ) ، وقال الشاعر :
--> ( 1 ) تاريخ بغداد 1 : 10 . ( 2 ) الظرائف والطرائف للثعلبي : 67 .