الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

58

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

عطفت عطف الضّروس وطرحت طرح الشموس وشنّت غارات الهموم وأراقت ما حلبت من النّعيم فالسّعيد من لم يغترّ بنكاحها واستعد لو شك طلاقها ( 1 ) . وروى ( أمالي الشيخ ) مسندا عن ابن عباس عنه عليه السّلام في خطبة له : « أيّها الناس ، إنّكم سيّارة قد حدا بكم الحادي ، وحد الخراب الدّنيا حادي وناداكم للموت مناديفَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ باِللهِّ الْغَرُورُ ( 2 ) ألا وانّ الدّنيا دار غرّارة خدّاعة تنكح في كلّ يوم بعلا ، وتقتل في كلّ ليلة أهلا وتفرّق في كلّ ساعة شملا فكم من منافس فيها وراكن إليها من الأمم السالفة قد قذفتهم في الهاوية ، ودمّرتهم تدميرا وتبرّتهم تتبيرا ، وأصلتهم سعيرا ، اين من جمع فأوعى وشدّ فأوكى ومنع فأكدى بل أين من عسكر العساكر ودسكر الدّساكر وركب المنابر أين من بنى الدّور وشرّف القصور وجمهر الألوف قد تداولتهم أيّامها وابتلعتهم أعوامها فصاروا أمواتا وفي القبور رفاتا ، قد نسوا ما ( يئسوا عمّا ) خلّفوا ووقفوا على ما أسلفوا ، ثمّ ردّوا إلى اللّه مولاهم الحقّ ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين ، وكأنّي بها وقد أشرفت بطلائعها وعسكرت بفظائعها فأصبح المرء بعد صحتّه مريضا وبعد سلامته نقيضا يعالج كربا ويقاسي تعبا في حشرجة السّباق وتتابع الفراق وتردّد الأنين والذّهول عن البنات والبنين والمرء قد اشتمل عليه شغل شاغل وهول هائل قد اعتقل منه اللّسان وتردّد منه البنان فأصاب مكروبا وفارق الدّنيا مسلوبا لا يملكون له نفعا ولا لما حلّ به دفعا يقول اللّه عزّ وجلّ في كتابه

--> ( 1 ) الأمالي للطوسي 2 : 297 . ( 2 ) لقمان : 33 .