الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

597

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

حدثني عمر بن أبي الحسين الطوسي أن أباه وجهّ به إلى ابن الأعرابي يقرأ عليه أشعار هذيل فمرت بنا أراجيز فأنشدته أرجوزة لأبي تمام لم أنسبها إليه وهي : عاذل عذلته من عذله * فظن اني جاهل ، من جهله - إلخ - فقال لابنه : اكتبها فكتبها على ظهر كتاب من كتبه فقلت له جعلت فداك انها لأبي تمام فقال ، خرّق خرّق - قال المسعودي : وهذا من ابن المدبر قبيح لأن الواجب أن لا يدفع احسان محسن عدوا كان أو صديقا ، وان تؤخذ الفائدة من الوضيع والرفيع فقد روى عن أمير المؤمنين عليه السّلام انهّ قال : الحكمة ضالة المؤمن فخذ ضالتك ولو من أهل الشرك - وقد ذكر عن بزرجمهر - وكان من حكماء الفرس - انهّ قال : أخذت من كلّ شيء أحسن ما فيه حتى من الكلب والهرة والخنزير والغراب ، قيل ما أخذت من الكلب قال : ألفه لأهله ، وذبهّ عن صاحبه - قيل فما أخذت من الغراب قال : شدّة حذره - قيل فمن الخنزير قال : بكوره في حوائجه ، قيل : فمن الهرة قال : حسن نغمتها وتملقها لأهلها عند المسألة - ومن عاب مثل هذه الأشعار التي ترتاح لها القلوب وتحرّك بها النفوس وتصغي إليها الأسماع وتشحذ لها الأذهان ويعلم كلّ من له قريحة ، وفضل ومعرفة ان قائلها قد بلغ في الإجادة أبعد غاية وأقصى نهاية - فإنما غض من نفسه وطعن على معرفته واختياره . « فان الحكمة انما تكون في صدر المنافق فتلجلج » أي : تدار وتردد . « في صدره حتى تخرج » من صدره . « فتسكن إلى صواحبها في صدر المؤمن » قالوا : خرج ابن المبارك مرابطا فبينما يمشي في أزقة المصيصة إذ لقى سكران قد رفع عقيرته يتغنى ويقول : أذلني الهوى وأنا الذليل * وليس إلى الذي أهوى سبيل