الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
46
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
فصدّقوا حديثها فيا أيّها الذامّ للدّنيا المغترّ بغرورها متى استذامّت لك الدّنيا بل متى غرّتك من نفسها أبمضاجع آبائك من البلى أم بمصارع أمّهاتك من الثّرى كم قد علّلت بكفّيك ومرّضت بيديك من تبغي له الشّفاء وتستوصف له الأطباء لم تنفعه بشفائك . . . ( 1 ) . « قول المصنّف - وقال عليه السّلام - وقد سمع رجلا يذم الدنيا » قد عرفت من رواية ( تحف العقول ) : أنّ الرّجل كان من البصرة بعد الجمل ، ومن رواية ( تاريخ بغداد ) انهّ كان بالكوفة ، ولعلهّ كان كلّ منهما فتكرار مثله غير بعيد . وفي ( اليتيمة ) فصل لأبي النّضر العتبي في الإنكار على من يذمّ الدّهر ( عتبك على الدهر داع إلى العتب عليك واستبطاؤك إياّه صارف عنان اللّوم إليك فالدّهر سهم من سهام اللّه منزعه عن مقابض أحكامه ومطلعه من جانب ما صررّته مجاري أقلامه والوقيعة فيه تمرس بحكم خالقه وباريه ومجاري الأشياء على قدر طباعها وبحسب ما في قواها وأوضاعها ومن ذا الّذي يلوم الأراقم على النّهش بالأنياب والعقارب على اللّسع بالأذناب وانّى لها أن تذمّ وقد أشربت خلقتها السّم وحكم اللّه في كلّ حال مطاع وبأمره رضا واقتناع فاعف الزّمان عن قوارض لسانك واضرب عليها حجاب القرص بأسنانك واذكر قول النبيّ صلى اللّه عليه وآله : لا تسبّوا الدّهر فانّ اللّه هو الدّهر ، وعليك بالتسليم بحكم العليّ العظيم وذاك أحمد عاقبة وأرشد دنيا ودين ( 2 ) . وقال ابن أبي الحديد : هذا الفصل كلهّ لمدح الدّنيا وهو ينبى ء عن اقتداره عليه السّلام على ما يريد من المعاني لأنّ كلامه كلهّ في ذمّ الدّنيا وهو الآن
--> ( 1 ) مروج الذهب للمسعودي 2 : 419 . ( 2 ) يتيمة الدهر للثعلبي 4 : 462 .