الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

488

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

ثمّ انهّ لتبلغ به الرياضة مبلغا ينقلب له وقته سكينة فيصير المخطوب ، مألوفا والوميض شهابا بيّنا ، ويحصل له معارفه مستقره كأنّها صحّة مستمرة . ويستمتع فيها ببهجته ، فإذا انقلب عنها انقلب حيران اسفا - وقال القشيري لما ذكر الحال والأمور الواردة على العارفين ، هي بروق تلمع ثم تخمد . وأنوار تبدو ثم تخفى ما أحلاها لو بقيت مع صاحبها . وهي ثلاث مراتب : اللوائح ، ثم اللوامع ، ثم الطوالع ، فاللوائح كالبروق ما ظهرت حتى استترت كما قال : فافترقنا حولا فلمّا التقينا * كان تسليمه عليّ وداعا واللوامع أظهر من اللوائح . وليس زوالها بتلك السرعة ، ولكن كما قيل : والعين باكية * لم تشبع النظرا ثم الطوالع وهي أبقى وقتا - قال ابن أبي الحديد وكلاهما يتبعان ألفاظ أمير المؤمنين عليه السّلام لأنهّ حكيم الحكماء ، وعارف العارفين ، ومعلّم الصوفية ولولا أخلاقه وكلامه وتعليمه للناس هذا الفن تارة بقوله وتارة بفعله ، لمّا اهتدى أحد من هذه الطائفة ولا علم كيف يورد ولا كيف يصدر . وقال ابن ميثم بعده آخذا معنى كلام ( الإشارات ) أشار عليه السّلام باللامع إلى ما يعرض للسالك عند بلوغ الإرادة بالرياضة به حدّا ما من الخلسات إلى الجناب الأعلى فيظهر له أنوار إلهية لذيذة شبيهة بالبرق في سرعة لمعانه واختفائه . وتلك اللوامع مسمّاة عند أهل الطريقة أوقاتا وكلّ وقت فانهّ محفوف بوجد إليه ما قبله ، ووجد عليه ما بعده ، لأنهّ لمّا ذاق تلك اللذة ثم فارقها حصل فيه حنين وأنين إلى ما فات منها ثم إن هذه اللوامع في مبدأ الأمر تعرض له قليلا فإذا أمعن في الارتياض كثرت فأشار عليه السّلام باللامع إلى نفس ذلك النور