الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
45
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
بكفّيك تبتغي له الشّفاء وتستوصف الأطباء لم تنفعه بشفاعتك ولم تنجح له بطلبتك بل مثّلت لك به الدّنيا نفسك وبمضجعه مضجعك غداة لا يغني عنك بكاؤك ولا ينفعك أحبّاؤك فهيهات أيّ مواعظ للدّنيا لو نصتّ لها وأيّ دار لو فهمت عنها وأيّ عافية لو تزوّدت منها انصرف إذا شئت ( 1 ) . ورواه ابن قتيبة في ( زهد عيونه ) فقال : ذمّ رجل الدّنيا عند عليّ عليه السّلام فقال له : الدّنيا دار صدق لمن صدّقها ودار نجاة لمن فهم عنها ودار غنى لمن تزوّد منها مهبط وحي اللّه ومصلّى ملائكته ومسجد أنبيائه ومتجر أوليائه ربحوا منها الرّحمة واحتسبوا فيها الجنّة فمن ذا يذمّها وقد آذنت ببينها ونادت بفراقها وشبّهت بسرورها السّرور وببلاءها البلاء ترغيبا وترهيبا فيا أيّها الذّام للدّنيا المعلّل نفسه متى خدعتك الدّنيا أم متى استذمت إليك أبمصارع آبائك في البلى أم بمضاجع أمّهاتك في الثّرى كم مرّضت بيديك وعلّلت بكفّيك تطلب له الشّفاء وتستوصف له الأطباء غداة لا يغني عنه دواؤك ولا ينفعه بكاؤك ( 2 ) . ورواه المسعودي في ( مروجه ) فقال : كان علي عليه السّلام يقول : الدّنيا دار صدق لمن صدّقها ودار عافية لمن فهم عنها ودار غنى لمن تزوّد منها ، الدّنيا مسجد أحبّاء اللّه ومصلّى ملائكة اللّه ومهبط وحيه ومتجر أوليائه اكتسبوا فيها الرحمة وربحوا فيها الجنّة فمن ذا يذمّها وقد أذنت ببينها ونادت بفراقها ونعت نفسها وأهلها ومثّلت لهم ببلاءها البلاء وشوّقت بسرورها إلى السّرور راحت بفجيعة وابتكرت بعافية تحذيرا وترغيبا وتخويفا فذمّها رجال غداة النّدامة وحمدها آخرون غبّ المكافأة ذكّرتهم فذكّروا تصاريفها وصدقتهم
--> ( 1 ) تاريخ بغداد للخطيب البغدادي 7 : 287 . ( 2 ) عيون الأخبار لابن قتيبة 2 : 321 .