الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

407

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

ثم وضع يده على منكب همّام بن عبادة فقال : - ألا من سأل من شيعة أهل البيت ، الذين أذهب اللّه عنهم الرجس وطهّرهم في كتابه مع نبيه تطهيرا ، فهم العارفون باللهّ ، العاملون بأمر اللّه ، أهل الفضائل والفواضل ، منطقهم الصواب : ، وملبسهم الاقتصاد ، ومشيهم التواضع وبخعوا اللّه بطاعته ، وخضعوا له بعبادته ، فمضوا غاضّين أبصارهم عمّا حرّم اللّه عليهم ، واقفين أسماعهم على العلم بدينهم نزلت أنفسهم منهم في البلاء كالذين نزلت منهم في الرخاء رضي عن اللّه بالقضاء فلو لا الآجال التي كتب اللّه لهم لم تستقر أرواحهم في أجسادهم طرفة عين شوقا إلى لقاء اللّه والثواب ، وخوفا من العقاب ، عظم الخالق في أنفسهم ، وصغر ما دونه في أعينهم ، فهم والجنة كمن رآها ، فهم على أرائكها متكئون ، وهم والنار كمن دخلها ، فهم فيها معذّبون . قلوبهم محزونة ، وشرورهم مأمونة ، وأجسادهم نحيفة ، وحوائجهم خفيفة ، وأنفسهم عفيفة ، ومعرفتهم في الإسلام عظيمة ، صبروا أياما قليلة ، فأعقبتهم راحة طويلة وتجارة مربحة ، يسّرها لهم ربّ كريم ، أناس أكياس ارادتهم الدنيا فلم يريدوها وطلبتهم فاعجزوها . اما الليل فصافّون أقدامهم ، تالون لأجزاء القرآن ، يرتلونه ترتيلا ، يعظون أنفسهم بأمثاله ويستشفون لدائهم بدوائه تارة وتارة يفترشون جباههم وأكفّهم وركبهم وأطراف أقدامهم ، تجري دموعهم على خدودهم ويمجّدون جبّارا عظيما ويجارون إليه جل جلاله في فكاك رقابهم هذا ليلهم . وأما نهارهم فحلماء علماء ، بررة أتقياء براهم خوف بارئهم فهم أمثال القداح يحسبهم الناظر إليهم مرضى . وما بالقوم من مرض - أو قد خولطوا وقد خالط القوم من عظمة ربهم ، وشدّة سلطانه ، أمر عظيم طاشت له قلوبهم ، وذهلت منه عقولهم ، فإذا