الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
370
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
ذاك قال لأن اللّه تعالى فرض الايمان على جوارح ابن آدم ، وقسمّه عليها وفرقّه فيها ، فليس من جوارحه جارحة إلّا وقد وكلت من الايمان به ، غير ما وكلت به أختها ، فمنها قلبه الذي به يعقل ، ويفقه وهو أمير بدنه الذي لا ترد الجوارح ولا تصدر إلّا عن رأيه . ومنها عيناه اللتان يبصر بهما ، وأذناه اللتان يسمع بهما ، ويداه اللتان يبطش بهما ، ورجلاه اللتان يمشي بهما ، وفرجه الذي الباه من قبله ، ولسانه الذي ينطق به ، ورأسه الذي فيه وجهه ، فليس من هذه جارحة إلّا وقد وكلت من الايمان به غير ما وكلت به أختها ، بفرض من اللّه ، ففرض على القلب غير ما فرض على السمع وفرض على السمع غير ما فرض على العينين ، وفرض على العينين غير ما فرض على اللسان ، وفرض على اللسان غير ما فرض على اليدين ، وفرض على اليدين غير ما فرض على الرجلين ، وفرض على الرجلين غير ما فرض على الفرج ، وفرض على الفرج غير ما فرض على الوجه ، فاما ما فرض على القلب ، فالاقرار والمعرفة والعقل والرضا والتسليم بأن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له الها واحدا لم يتخذ صاحبة ولا ولدا وان محمدا عبده ورسوله والاقرار بما جاء به من عند اللّه من نبي وكتاب ، فذلك ما فرض اللّه على القلب وهو عمله وهو قوله تعالى : . . . مَنْ كَفَرَ باِللهِّ مِنْ بَعْدِ إيِمانهِِ إِلّا مَنْ أكُرْهَِ وَقلَبْهُُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ ( 1 ) وقال . . . أَلا بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ( 2 ) وقال . . . مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ ( 3 )
--> ( 1 ) النحل : 106 . ( 2 ) الرعد : 28 . ( 3 ) المائدة : 41 .