الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
553
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
أهلا ، فلا تغلبوا على أهل مصر فإنّ بقاء مصر في أيدكم عزّ لكم وكبت لعدوّكم ، أخرجوا إلى الجرعة - بين الحيرة والكوفة - فوافوني بها هناك غدا . فلمّا كان من الغد خرج يمشي فنزلها بكرة ، فأقام بها حتى انتصف النهار فلم يوافه منهم واحد فرجع ، فلمّا كان من العشي بعث إلى أشراف الناس ، فدخلوا عليه القصر وهو حزين كئيب فقال : الحمد للهّ على ما قضى من أمري وقدّر من فعلي ، وابتلاني بكم أيّتها الفرقة ممّن لا يطيع إذا أمرت ، ولا يجيب إذا دعوت ، لا أبا لغيركم ما تنتظرون بنصركم والجهاد على حقّكم الموت والذلّ لكم في هذه الدنيا على غير الحق فو اللّه لئن جاء الموت - وليأتين - ليفرقنّ بيني وبينكم وأنا لصحبتكم قال وبكم غير ضنين ، للهّ أنتم لا دين يجمعكم ولا حمية تحميكم إذا أنتم سمعتم بعدوّكم يرد بلادكم ويشنّ الغارة عليكم ، أوليس عجبا أنّ معاوية يدعو الجفاة الطغام فيتبعونه على غير عطاء ولا معونة ، ويجيبونه في السنة مرتين والثلاث إلى أي وجه شاء ، وأنا أدعوكم - وأنتم أولو النهى وبقية الناس على المعونة - فتقومون عني وتعصونني وتختلفون عليّ - إلى أن قال عليه السّلام بعد ذكر مجيء الخبر بقتل محمد بن أبي بكر وفتح مصر وخطبته الناس واخبارهم بذلك - : إنّي واللّه ما ألوم نفسي على التقصير وإنّي لمقاساة الحرب مجدّ خبير ، وإنّي لأقدم على الأمر وأعرف وجه الحزم وأقوم فيكم بالرأي المصيب ، فأستصرخكم معلنا وأناديكم نداء المستغيث معربا ، فلا تسمعون لي قولا ولا تطيعون لي أمرا حتى تصير بي الأمور إلى عواقب المساءة ، فأنتم القوم لا يدرك بكم الثأر ولا ينقض بكم الأوتار ، دعوتكم إلى غياث إخوانكم منذ بضع وخمسين ليلة ، فتجرجرتم جرجرة الجمل الأشدق ، وتثاقلتم إلى الأرض تثاقل من ليس له نيّة في جهاد العدو ولا اكتساب الأجر ، ثم خرج اليّ منكم جنيد متذائب كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى