الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

379

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

الكلام من قوله : « ولكننا » مخالف في الظاهر للفصل الأول ، لأنّ الأول فيه إنكار الإجابة للتحكيم وهذا يتضمن تصويبها ، وظاهر الحال أنهّ بعد كلام طويل - وقد قال المصنف في أوّل الفصل : إنهّ من جملة كلام طويل - وأنهّ لما ذكر التحكيم قال ما كان يقوله دائما ، وهو : إنّي إنّما حكمت على أن نعمل في هذه الوقعة بحكم الكتاب ، وإنّي كنت أحارب قوما ادخلوا في الاسلام زيفا ، وأحدثوا به اعوجاجا ، فلما دعوني إلى تحكيم الكتاب أمسكت عن قتلهم وأبقيت عليهم ، لأنّي طمعت في أمر يلم اللّه به شعث المسلمين . قلت : بل الظاهر أنهّ حرّف عن موضعه ، وأنهّ كان مقول قول الخوارج في أوّل الأمر ، لما حملوه عليه السّلام على التحكيم بعد قولهم في أوّل الفصل : « اخواننا وأهل دعوتنا استقالونا واستراحوا إلى كتاب اللّه سبحانه ، فالرأي القبول منهم والتنفيس عنهم » كما لا يخفى ، وإلّا فكيف يقول عليه السّلام : أصبحنا نقاتل إخواننا في الاسلام » وكيف يقول عليه السّلام في أول كلامه : « إنّ رفعهم المصاحف إنّما كان حيلة وغيلة ومكرا وخديعة » ، ويقول في آخر كلامه : « فإذا طمعنا في خصلة يلمّ اللّه به شعثنا . . . » وإنّما كان عليه السّلام يقول للخوارج : إنّي وان كنت كارها للتحكيم ، إلّا أنهّ لما أكرهتموني ، عليه صرفته إلى المشروع بقبول حكم الحكم إذا كان من كتاب اللّه ، وعقد بذلك عهد يجب الجري عليه ، حتى نرى ما يحكم الحكمان . وكيف يقول عليه السّلام : معاوية وعمرو بن العاص وأهل الشام اخواننا في الإسلام ، وطمعنا منهم في خصلة يلم اللّه به شعثنا ويقول صاحبه عمّار - حين نظر إلى راية عمرو بن العاص - : واللّه انّ هذه الراية قد قاتلتها ثلاث مرات ، وما هذه بأرشدهنّ . ثم قال : نحن ضربناكم على تنزيله * فاليوم نضربكم على تأويله