الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
339
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
لِأَنْفُسِنَا حِينَ خَالَفَا سَبِيلَ الْحَقِّ - وَأَتَيَا بِمَا لَا يُعْرَفُ مِنْ مَعْكُوسِ الْحُكْمِ أقول : العنوان الثاني تكرار لذيل العنوان الأوّل من قوله : « انما اجتمع رأي ملئكم على اختيار رجلين . . . » مع أدنى اختلاف وزيادة كما ترى ، وعذره ما قاله في أول الكتاب : « وربما بعد العهد بما اختير أولا ، فأعيد بعضه سهوا أو نسيانا ، لا قصدا واعتمادا » ولم يتفطّن الشرّاح أيضا لتكراره . وكيف كان ، فالأصل فيهما ما رواه الطبري ( 1 ) عن أبي مخنف ، عن أبي سلمة الزهري ابن بنت أنس بن مالك : أنّ عليّا عليه السّلام قال لأهل النهر : « يا هؤلاء إنّ أنفسكم قد سوّلت لكم فراق هذه الحكومة ، التي ابتدأتموها وسألتموها وأنا لها كاره ، وأنبأتكم أنّ القوم سألكموها مكيدة ودهنا ، فأبيتم عليّ إباء المخالفين ، وعدلتم عنّي عدول النكداء العاصين ، حتى صرفت رأيي إلى رأيكم ، وأنتم واللّه معاشر أخفاء الهام سفهاء الأحلام ، فلم آت - لا أبا لكم - حراما ، واللّه ما اختلتكم عن أموركم ، ولا أخفيت شيئا من هذا الأمر عنكم ، ولا أو طأتكم عشوة ، ولا دببت لكم الضرّاء ، وإن كان أمرنا لأمر المسلمين ظاهرا ، فأجمع ملؤكم على أن اختاروا رجلين ، فأخذنا عليهما أن يحكما بما في القرآن ولا يعدواه ، فتاها وتركا الحقّ وهما يبصرانه ، وكان الجوهر هواهما ، وقد سبق استيثاقنا عليهما في الحكم بالعدل والصمد للحقّ سوء رأيهما وجور حكمهما ، والثقة في أيدينا لأنفسنا حين خالفا سبيل الحقّ وأتيا بما لا يعرف ، فبيّنوا لنا بماذا تستحلّون قتالنا والخروج عن جماعتنا ان اختار الناس رجلين ، أن تضعوا أسيافكم على عواتقكم ، ثمّ تستعرضوا الناس تضربون رقابهم وتسفكون دماءهم ، انّ هذا لهو الخسران المبين . واللّه لو قتلتم على هذا
--> ( 1 ) تاريخ الطبري 5 : 84 .