الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

202

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

أقول : رواه نصر بن مزاحم ( 1 ) إلى قوله : « وقد دعوت إلى الحرب . . . » مع اختلاف وزيادة ونقصان ، فقال في سياق كتبه عليه السّلام إلى معاوية من الكوفة : وكتب علي عليه السّلام إلى معاوية : « أمّا بعد ، فإنك قد رأيت مرور الدنيا وانقضاءها وتصرّمها بأهلها ، وخير ما اكتسب من الدنيا ما أصابه العباد الصالحون منها من التقوى ، ومن يقس الدنيا بالآخرة يجد بينهما بونا بعيدا ، واعلم يا معاوية أنّك قد ادّعيت أمرا لست من أهله لا في القدم ولا في الحدث ، ولست تقول فيه بأمر بيّن تعرف لك به أثر ، ولا لك عليه شاهد من كتاب اللّه ، ولا عهد تدعّيه ، فكيف أنت صانع إذا انقشعت عنك جلابيب ما أنت فيه من دنيا قد فتنت بزينتها ، وركنت إلى لذتها وخلي بينك وبين عدوك فيها ، وهو عدوّ كلب مضلّ جاهد ملح مع ما قد ثبت في نفسك من جهتها دعتك فأجبتها ، وقادتك فاتبعتها ، وأمرتك فأطعتها ، فاقعس عند هذا الأمر ، وخذ أهبة الحساب ، فإنهّ يوشك أن يقفك واقف على ما لا ينجيك منه مجن . ومتى كنتم يا معاوية ساسة الرعية أو ولاة أمر هذه الأمة ، بلا قدم حسن ، ولا شرف سابق على قومكم فاستيقظ من سنتك وارجع إلى خالقك ، وشمّر لما سينزل بك ، ولا تمكّن عدوّك الشيطان من بغية فيك . مع أنّي أعرف أنّ اللّه ورسوله صادقان ، نعوذ باللهّ من لزوم سابق الشقاء ، وإلا تفعل فإني أعلمك ما أغفلت من نفسك : إنّك مترف قد أخذ منك الشيطان مأخذه فجرى منك مجرى الدم في العروق ، ولست من أئمة هذه الأمة ولا من رعاتها . واعلم أنّ هذا الأمر لو كان إلى الناس أو بأيديهم ، لحسدونا وامتنوا به علينا ، ولكنه قضاء ممّن منحناه واختصنا به على لسان نبيهّ الصادق المصدّق . لا أفلح من شك بعد العرفان والبيّنة . ربّنا احكم بيننا وبين عدوّنا بالحقّ وأنت خير الحاكمين .

--> ( 1 ) صفين لنصر بن مزاحم : 108 .