الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
184
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
فقلت لجارية : إن شئت كنت معك وإن شئت ملت إلى قومي فقال : بل معي فو اللّه لوددت أنّ الطير والبهائم تنصرني عليهم فضلا عن الإنس . قال كعب : إنّ عليّا عليه السّلام كتب مع جارية - وقال اقرأه على أصحابك - : من عبد اللّه أمير المؤمنين إلى من قرئ عليه كتابي هذا من ساكني البصرة من المؤمنين والمسلمين سلام عليكم أما بعد فإنّ اللّه حليم ذو أناة ، لا يعجل بالعقوبة قبل البينة ، ولا يأخذ المذنب عند أوّل وهلة ولكنه يقبل التوبة ويستديم الإنابة ويرضى بالإنابة ليكون أعظم للحجة وأبلغ في المعذرة ، وقد كان من شقاق جلّكم ، أيّها النّاس ما استحققتم أن تعاقبوا عليه فعفوت عن مجرمكم ، ورفعت السيف عن مدبركم وقبلت من مقبلكم وأخذت بيعتكم فإن تفوا ببيعتي وتقبلوا نصيحتي وتستقيموا على طاعتي أعمل فيكم بالكتاب وقصد الحق ، وأقيم فيكم سبيل الهدى ، فو اللّه ما أعلم أنّ واليا بعد محمّد صلّى اللّه عليه وآله أعلم بذلك مني ولا أعلم بقوله مني ، أقول قولي هذا صادقا غير ذام لمن مضى ولا منتقصا لأعمالهم وإن حطّت بكم الأمور المردية وسفه الرأي الجائر إلى منابذتي تريدون خلافي فها أنا ذا قرّبت جيادي ورحلت ركابي ، وأيم اللّه لئن ألجأتموني إلى المسير إليكم لأوقعنّ بكم وقعة لا يكون يوم الجمل عندها إلّا كلعقة لاعق ، وإنّي لظانّ ألّا تجعلوا إن شاء اللّه على أنفسكم سبيلا ، وقد قدّمت هذا الكتاب إليكم حجة عليكم ولن أكتب إليكم من بعده كتابا إن استغششتم نصيحتي ونابذتم رسولي حتّى أكون أنا الشاخص نحوكم والسلام . فلمّا قرأ الكتاب على النّاس قام صبرة بن سليمان فقال : سمعنا وأطعنا ونحن لمن حارب أمير المؤمنين حرب ، ولمن سالم سلم ، إن كفيت يا جارية قومك بقومك فذاك وإن أحببت أن ننصرك نصرناك . وقام وجوه النّاس فتكلّموا بمثل ذلك ونحوه فلم يأذن لأحد منهم أن يسير معه ومضى نحو بني تميم .