الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
64
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
برج من البروج ، كما يستدلّ بها على أشياء مما يحدث في العالم بتنقل الشمس والنجوم في منازلها ، ولو كانت كلّها منتقلة لم يكن لمسيرها منازل تعرف ولا رسم يوقف عليه ، لأنهّ إنّما يوقف عليه بمسير المنتقلة منها بتنقلها في البروج الراتبة ، كما يستدلّ على سير السائر على الأرض بالمنازل التي يجتاز عليها . ولو كان تنقلها بحال واحدة لاختلط نظامها وبطلت المآرب فيها ، ولساغ لقائل أن يقول : إنّ كينونتها على حال واحدة توجب عليها الإهمال من الجهة التي وصفنا ، ففي اختلاف سيرها وتصرّفها وما في ذلك من المآرب ، والمصالح أبين دليل على العمد والتدبير فيها ( 1 ) . « فأقام من شواهد البينات على لطيف صنعته وعظيم قدرته ما انقادت له العقول معترفة به ومسلّمة له » . قال الصادق عليه السّلام للمفضل : أول العبر والدلالة على الباري جلّ قدسه تهيئة هذا العالم وتأليف أجزائه ونظمها على ما هي عليه ، فانّك إذا تأمّلت العالم بفكرك وخبرّته بعقلك وجدته كالبيت المبني المعدّ فيه جميع ما يحتاج إليه عباده ، فالسماء مرفوعة كالسقف ، والأرض ممدودة كالبساط ، والنجوم مضيئة كالمصابيح ، والجواهر مخزونة كالذخائر ، وكلّ شيء فيها لشأنه معدّ ، والإنسان كالمملّك ذلك البيت ، والمخوّل جميع ما فيه ، وضروب النبات مهيّأة لمآربه ، وصنوف الحيوان مصروفة في مصالحه ومنافعه ، ففي هذا دلالة واضحة على أن العالم مخلوق بتقدير وحكمة ونظام وملائمة ، وان الخلق له إله واحد ، وهو الذي ألفّه ونظمّه بعضا إلى بعض ، جلّ قدسه وتعالى جدهّ وكرم وجهه ولا إله غيره ، تعالى عمّا يقول الجاحدون ، وجلّ عمّا ينتحله
--> ( 1 ) توحيد المفضل : 132 ، والنقل بتصرف يسير .