الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
63
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
أقول : روتها كتب غريب الحديث كما يفهم من ( النهاية ) ( 1 ) . « ابتدعهم » أي : اخترعهم « خلقا عجيبا » بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ( 2 ) « من حيوان » بالتحريك « وموات » والمراد بحيوان ما فيه الروح وبموات ما لا روح فيه ، وقد يجيئان بالعكس كقولهم « اشتر الحيوان ولا تشتر الموتان » أي : اشتر الأرضين والدور ولا تشتر الرقيق والدواب ، إلّا انهّ بالتأويل يرجع إلى المعنى الأصلي . « وساكن وذي حركات » حتى في النجوم جعل ثوابت وسيارات . ففي ( توحيد المفضل ) : فكّر في النجوم واختلاف مسيرها ، فبعض لا يفارق مراكزها من الفلك ولا تسير إلّا مجتمعة ، وبعضها مطلقة تنتقل في البروج ، ويفترق في مسيرها ، فكلّ واحد منها يسير سيرين مختلفين ، أحدهما عامّ مع الفلك نحو المغرب والآخر خاصّ لنفسه نحو المشرق كالنملة التي تدور على الرحى ، فالرحى تدور ذات اليمين والنّملة تدور ذات الشمال ، والنملة في ذلك تتحرك حركتين مختلفين إحداهما بنفسه فتتوجهّ أمامها والأخرى مستكرهة مع الرحى تجذبها إلى خلفها ، فاسأل الزاعمين أنّ النجوم صارت على ما هي عليه بالإهمال من غير عمد ، ولا صانع لها ما منعها أن تكون كلّها راتبة أو تكون كلّها منتقلة فان الإهمال معنى واحد ، فكيف صار يأتي بحركتين مختلفتين على وزن وتقدير ، ففي هذا بيان أن مسير الفريقين على ما يسيران عليه بعمد وتدبير وحكمة وتقدير ، وليس بإهمال كما يزعم المعطّلة . فان قال قائل : ولم صار بعض النجوم راتبا وبعضها منتقلا قلنا : إنّها لو كانت كلّها راتبة لبطلت الدلالات التي يستدلّ بها من تنقل المنتقلة ومسيرها في كلّ
--> ( 1 ) النهاية 1 : 37 و 2 : 140 و 4 : 97 و 5 : 123 . ( 2 ) البقرة : 17 .