الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
294
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
منهم من يهابه أن يسأله ، وهم الذين كانوا يحبون ان يجيء الاعرابي أو الطارئ ، فيسأله وهم يسمعون ، ومنهم من كان بليدا بعيد الفهم قليل الهمّة في النظر والبحث ، ومنهم من كان مشغولا عن طلب العلم والمعاني بعبادة أو دنيا ، ومنهم المقلّد الذي يرى أن فرضه السكوت وترك السؤال ، ومنهم المبغض الشانئ الذي ليس للدين عنده من الموقع ما يضيع وقته بالسؤال عن دقائقه وغوامضه ، وانضاف إلى الأمر الخاص بعليّ عليه السّلام ذكاؤه وفطنته ، وطهارة طينته واشراق نفسه وضوؤها ، وإذا كان المحل قابلا متهيئا ، وكان الفاعل مؤثرا موجودا ، والموانع مرتفعة حصل الأثر على أتم ما يمكن ، فلذلك كان علي - كما قال الحسن البصري - ربانيّ هذه الأمة وذا فضلها ، ولذا تسميه الفلاسفة امام الأئمة وحكيم العرب ( 1 ) . قلت : ومن الخلوات التي قال خلوته صلّى اللّه عليه وآله معه عليه السّلام يوم الطائف ، فأغضب الرجلين وغيرهما من نظرائهما . روى الترمذي مسندا عن جابر قال : دعا النبي صلّى اللّه عليه وآله عليّا يوم الطائف فانتجاه طويلا ، فقال الناس : لقد طال نجواه مع ابن عمه ، فبلغ ذلك النبي فقال : ما انتجيته ولكن اللّه انتجاه . قال الترمذي : معناه ان اللّه أمرني أن أنتجي معه ( 2 ) . وكان هذا حال النبي صلّى اللّه عليه وآله معه عليه السّلام إلى حين وفاته . روى أحمد ابن حنبل مسندا عن أم سلمة قالت : والذي يحلف به ان كان علي ابن أبي طالب عليه السّلام لأقرب الناس عهدا بالرسول صلّى اللّه عليه وآله ، مرض النبي مرض موته ، فلما كان اليوم الذي قبض فيه دعا عليا ، فناجاه طويلا وسارهّ كثيرا ثم قبض ( 3 ) .
--> ( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 11 : 48 . ( 2 ) سنن الترمذي 5 : 639 ح 3726 . ( 3 ) مسند أحمد 6 : 300 والنقل بتصرف في اللفظ .