الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

124

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

« ولم يلجئوا إلى حجّة فيما ادعوا » قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 1 ) . « ولا تحقيق لما أوعوا » بفتح الهمزة أي : اضمروا ، قال تعالى : وَاللّهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ ( 2 ) . وفي ( توحيد المفضل ) : إن الشكّاك جهلوا الأسباب والمعاني في الخلقة ، وقصرت أفهامهم عن تأمّل الصواب : والحكمة فيما ذرأ الباري جلّ قدسه وبرأ من صنوف خلقه في البرّ والبحر والسهل والوعر ، فخرجوا بقصر علومهم إلى الجحود وبضعف بصائرهم إلى التكذيب والعنود ، حتى أنكروا خلق الأشياء وادعوا أن تكونها بالإهمال ، لا صنعة فيها ولا تقدير ولا حكمة من مدبّر ولا صانع ، تعالى اللّه عمّا يصفون وقاتلهم اللّه أنّى يؤفكون فهم في ضلالهم وغيّهم وتجبرهم بمنزلة عميان دخلوا دارا قد بنيت أتقن بناء وأحسنه ، وفرشت بأحسن الفرش وأفخره ، وأعدّ فيها ضروب الأطعمة والأشربة والملابس والمآرب التي يحتاج إليها ولا يستغنى عنها ، ووضع كلّ شيء من ذلك موضعه على صواب من التقدير وحكمة من التدبير ، فجعلوا يتردّدون فيها يمينا وشمالا ويطوفون بيوتها إدبارا وإقبالا ، محجوبة أبصارهم عنها لا يبصرون بنية الدار وما أعدّ فيها ، وربما عثر بعضهم بالشيء الذي قد وضع موضعه ، وأعدّ للحاجة إليه وهو جاهل للمعنى فيه ولما أعدّ ولما ذا جعل كذلك ، فتذمّر وتسخّط وذمّ الدار وبانيها . فهذا حال هذا الصنف في إنكارهم ما أنكروا من أمر الخلقة وثبات الصنعة ، فانّهم لما عزبت أذهانهم عن معرفة الأسباب والعلل في الأشياء

--> ( 1 ) البقرة : 111 ، والنمل : 64 . ( 2 ) الانشقاق : 23 .