الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

123

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

وله الحمد كما هو أهله ومستحقهّ ( 1 ) . « زعموا أنّهم كالنبات ما لهم زارع ولا لاختلاف صورهم صانع » مع أنّ اختلاف صورهم كأصل إيجادهم آية واضحة لمبدعهم ، وقد قرّرهم نوح عليه السّلام به فقال : ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ للِهِّ وَقاراً . وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً ( 2 ) . قال الصادق عليه السّلام للمفضّل : اعتبر لم لا يتشابه الناس واحد بالآخر كما تتشابه الوحوش والطير وغير ذلك ، فانّك ترى السّرب من الظباء والقطا تتشابه حتى لا يفرّق بين واحد وبين الأخرى ، وترى الناس مختلفة صورهم وخلقهم حتى لا يكاد اثنان منهم يجتمعان في صفة واحدة ، والعلّة في ذلك أن النّاس محتاجون إلى أن يتعارفوا بأعيانهم وحلاهم لما يجري بينهم من المعاملات ، وليس يجري بين البهائم مثل ذلك فيحتاج إلى معرفة كلّ واحد منهم بعينه وحليته . ألا ترى أنّ التشابه في الطير والوحش لا يضرّها شيئا وليس كذلك الإنسان ، فإنهّ ربما تشابه التوأمان تشابها شديدا فتعظم المؤنة على الناس في معاملتهما حتّى يعطي أحدهما بالآخر ويؤخذ بذنب أحدهما الآخر ، وقد يحدث مثل هذا في تشابه الأشياء فضلا عن تشابه الصور ، فمن لطف بعباده بهذه الدقائق التي لا تكاد تخطر بالبال حتى وقف بها على الصواب : إلّا من وسعت رحمته كلّ شيء ، ولو رأيت تمثال الإنسان مصوّرا على حائط وقال لك قائل إنّ هذا ظهر هنا من تلقاء نفسه لم يصنعه صانع ، أكنت تقبل ذلك بل كنت تستهزئ به ، فكيف تنكر هذا في تمثال مصوّر جماد ولا تنكره في الإنسان الحيّ الناطق ( 3 ) .

--> ( 1 ) توحيد المفضل : 56 ، والنقل بتصرف يسير . ( 2 ) نوح : 13 و 14 . ( 3 ) توحيد المفضل : 87 ، والنقل بتصرف يسير .