الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

116

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

وتظهر المواد المتولدة في الشتاء فيطلع النبات وتنور الأشجار ويهيج الحيوان للسفاد ، وفي الصيف يحتدم الهواء فتنضج الثمار وتتحلّل فضول الأبدان ويجفّ وجه الأرض فتتهيّأ للبناء والأعمال ، وفي الخريف يصفوا الهواء وترتفع الأمراض ويصحّ الأبدان ويمتدّ الليل فيمكن فيه بعض الأعمال لطوله ويطيب الهواء فيه - إلى مصالح أخرى لو تقصيت لذكرها لطال فيها الكلام . فكّر الآن في تنقل الشمس في البروج الاثني عشر لإقامة دور السنة وما في ذلك من التدبير ، فهو الدور الذي تصحّ به الأزمنة الأربعة من السنة ، الشتاء والربيع ، والصيف ، والخريف ، ويستوفيها على التمام . وفي هذا المقدار من دوران الشمس تدرك الغلات والثمار وتنتهي إلى غاياتهم ، ثم تعود فيستأنف النشو والنمو . ألا ترى أن السنة مقدار مسير الشمس من الحمل إلى الحمل ، فبالسنة وأخواتها يكال الزمان من لدن خلق اللّه تعالى العالم إلى كلّ وقت وعصر من غابر الأيام ، وبها يحسب النّاس الأعمار والأوقات المؤقتة للديون والإجارات والمعاملات ، وغير ذلك من أمورهم ، وبمسير الشمس تكمل السنة ويقوم حساب الزمان على الصحّة . انظر إلى شروقها على العالم ، كيف دبّر أن يكون فإنّها لو كانت تبزغ في موضع من السماء فتقف لا تعدوه لما وصل شعاعها ومنفعتها إلى كثير من الجهات ، لأن الجبال والجدران كانت تحجبها عنها ، فجعلت تطلع في أول النهار من المشرق فتشرق على ما قابلها من وجه المغرب ، ثم لا تزال تدور وتغشي جهة بعد جهة حتى تنتهي إلى المغرب فتشرق على ما استتر عنها في أوّل النّهار ، فلا يبقى موضع من المواضع إلّا أخذ بقسطه من المنفعة والأرب التي قدّرت له ، ولو تخلفت مقدار عام أو بعض عام كيف يكون حالهم بل كيف يكون لهم مع ذلك بقاء أفلا ترى كيف كان يكون للناس هذه الأمور الجليلة