الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

103

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

فانّها لما كانت تحتاج إلى الغذاء الدائم كحاجة الحيوان ولم يكن لها أفواه كأفواه الحيوان ولا حركة تنبعث بها لتناول الغذاء جعلت أصولها مركوزة في الأرض لتنزع منها الغذاء فتؤديه إلى الأغصان وما عليها من الورق والثمر ، فصارت الأرض كالأم المربية لها ، وصارت أصولها التي هي كالأفواه ملتقمة للأرض لتنزع منها الغذاء كما ترضع أصناف الحيوان أمهاتها . ألم تر إلى عمد الفساطيط والخيم كيف تمدّ بالأطناب من كلّ جانب لتثبت منتصبة فلا تسقط ولا تميل ، فهكذا تجد النبات كلهّ له عروق منتشرة في الأرض ، ممتدة إلى كلّ جانب لتمسكه وتقيمه ، ولولا ذلك كيف كان يثبت هذا النخل الطوال والدوح العظام في الريح العاصف فانظر إلى حكمة الخلقة كيف سبقت حكمة الصناعة ، فصارت الحيلة التي تستعملها الصناع في ثبات الفساطيط والخيم متقدمة في خلق الشجر ، فالصناعة مأخوذة من الخلقة . تأمل يا مفضل ، خلق الورق ، فإنك ترى في الورقة شبه العروق مبثوثة فيها أجمع ، فمنها غلاظ ممتدة في طولها وعرضها ، ومنها دقاق تتخلل تلك الغلاظ منسوجة نسجا دقيقا معجما ، ولو كان مما يصنع بالأيدي كصنعة البشر لما فرغ من ورق شجرة واحدة في عام كامل ، ولا حتيج إلى آلات وحركة وعلاج وكلام ، فصار يأتي منه في أيام قلائل من الربيع ما يملأ الجبال والسهل وبقاع الأرض كلّها بلا حركة ولا كلام إلّا بالإرادة النافذة في كلّ شيء والأمر المطاع . واعرف مع ذلك العلة في تلك العروق الدقاق ، فإنها جعلت تتخلل الورقة بأسرها وتوصل الماء إليها بمنزلة العروق المبثوثة في البدن لتوصل الغذاء إلى كلّ جزء منه ، وفي الغلاظ منها معنى آخر ، فانّها تمسك الورقة بصلابتها ومتانتها لئلا تنتهك وتتمزّق ، فترى الورقة شبيهة بورقة معمولة بالصنيعة من خرق قد جعلت فيها عيدان ممدودة في طولها وعرضها للتماسك فلا تضرب ، فالصناعة تحكي الخلقة