الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
104
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
وان كانت لا تدركها على الحقيقة . فكّر في هذا العجم والنوى والعلّة فيه ، فإنهّ جعل في جوف الثمرة ليقوم مقام الغرس إن عاق دون الغرس عائق ، كما يحرز الشيء النفيس الذي يعظم الحاجة إليه في مواضع ، فإن حدث على الذي في بعض المواضع منه حادث وجد في موضع آخر ، ثم هو بعد يمسك بصلابته رخاوة الثمار ورقتها ، ولولا ذلك لتشدّخت وتفسخت وأسرع إليها الفساد ، وبعض العجم يؤكل ويستزج دهنه فيستعمل فيه ضروب من المصالح ، وقد تبين لك بما قلت موضع الإرب في العجم والنوى . فكّر الآن في هذا الذي تجده فوق النواة من الرطبة وفوق العجم من العنبة ، فما العلّة فيه ولما ذا يخرج في هذه الهيئة ، وقد كان يمكن أن يكون مكان ذلك ما ليس فيه مأكل ، كمثل ما يكون في السدر والدلب وما أشبه ذلك ، فلم صار يخرج فوقه هذه المطاعم اللذيذة ، الا ليستمتع بها الانسان فكّر في ضروب من التدبير في الشجر ، فإنك تراه يموت في كلّ سنة موتة فتحتبس الحرارة الغريزية في عوده ويتولّد فيه مواد الثمار ، ثم يحيى وينتشر فيأتيك بهذه الفواكه نوعا بعد نوع ، كما يقدم إليك أنواع الأطبخة التي تعالج بالأيدي واحدا بعد واحد ، فترى الأغصان في الأشجار تتلقاك بثمارها حتى كأنها تناولكها عن يد ، وترى الرياحين تتلقاك في أفنانها كأنها تجيئك بأنفسها ، فلمن هذا التقدير إلّا لمقدّر حكيم وما العلّة فيه إلا تفكيه الإنسان بهذه الثمار والأنوار ، والعجب من أناس جعلوا مكان الشكر على النعمة جحود المنعم بها . واعتبر بخلق الرمانة وما ترى فيها من أثر العمد والتدبير ، فإنك ترى فيها كأمثال التلال من شحم مركوم في نواحيها وحبّ مرصوف صفا كنحو ما ينضد بالأيدي ، وترى الحب مقسوما أقساما ، وكلّ قسم منها ملفوفا بلفائف