الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
460
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
أَمَّا بَعْدُ يَا ابْنَ حُنَيْفٍ - فَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ رَجُلًا مِنْ فِتْيَةِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ - دَعَاكَ إِلَى مَأْدُبَةٍ فَأَسْرَعْتَ إِلَيْهَا - تُسْتَطَابُ لَكَ الْأَلْوَانُ وَتُنْقَلُ إِلَيْكَ الْجِفَانُ - وَمَا ظَنَنْتُ أَنَّكَ تُجِيبُ إِلَى طَعَامِ قَوْمٍ - عَائِلُهُمْ مَجْفُوٌّ وَغَنِيُّهُمْ مَدْعُوٌّ - فَانْظُرْ إِلَى مَا تقَضْمَهُُ مِنْ هَذَا الْمَقْضَمِ - فَمَا اشتْبَهََ عَلَيْكَ علِمْهُُ فاَلفْظِهُْ - وَمَا أَيْقَنْتَ بِطِيبِ وجُوُههِِ فَنَلْ مِنْهُ - أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَأْمُومٍ إِمَاماً يَقْتَدِي بِهِ - وَيَسْتَضِيءُ بِنُورِ علِمْهِِ - أَلَا وَإِنَّ إِمَامَكُمْ قَدِ اكْتَفَى مِنْ دنُيْاَهُ بطِمِرْيَهِْ - وَمِنْ طعُمْهِِ بقِرُصْيَهِْ - أَلَا وَإِنَّكُمْ لَا تَقْدِرُونَ عَلَى ذَلِكَ - وَلَكِنْ أَعِينُونِي بِوَرَعٍ وَاجْتِهَادٍ وَعِفَّةٍ وَسَدَادٍ - فوَاَللهَِّ مَا كَنَزْتُ مِنْ دُنْيَاكُمْ تِبْراً - وَلَا ادَّخَرْتُ مِنْ غَنَائِمِهَا وَفْراً - وَلَا أَعْدَدْتُ لِبَالِي ثَوْبِي طِمْراً - وَلَا حُزْتُ مِنْ أَرْضِهَا شِبْراً - وَلَا أَخَذْتُ مِنْهُ إِلَّا كَقُوتِ أَتَانٍ دَبِرَةٍ - وَلَهِيَ فِي عَيْنِي أَوْهَى وَأَوْهَنُ مِنْ عَفْصَةٍ مَقِرَةٍ إلى أن قال : وَإِنَّمَا هِيَ نَفْسِي أَرُوضُهَا بِالتَّقْوَى - لِتَأْتِيَ آمِنَةً يَوْمَ الْخَوْفِ الْأَكْبَرِ - وَتَثْبُتَ عَلَى جَوَانِبِ الْمَزْلَقِ وَلَوْ شِئْتُ لَاهْتَدَيْتُ الطَّرِيقَ إِلَى مُصَفَّى هَذَا الْعَسَلِ - وَلُبَابِ هَذَا الْقَمْحِ وَنَسَائِجِ هَذَا الْقَزِّ - وَلَكِنْ هَيْهَاتَ أَنْ يَغْلِبَنِي هَوَايَ - وَيَقُودَنِي جَشَعِي إِلَى تَخَيُّرِ الْأَطْعِمَةِ - وَلَعَلَّ بِالْحِجَازِ أَوْ الْيَمَامَةِ مَنْ لَا طَمَعَ لَهُ فِي الْقُرْصِ - وَلَا عَهْدَ لَهُ بِالشِّبَعِ - أَوْ أَبِيتَ مِبْطَاناً وَحَوْلِي بُطُونٌ غَرْثَى - وَأَكْبَادٌ حَرَّى أَوْ أَكُونَ كَمَا قَالَ الْقَائِلُ - وَحَسْبُكَ دَاءً أَنْ تَبِيتَ بِبِطْنَةٍ * وَحَوْلَكَ أَكْبَادٌ تَحِنُّ إِلَى الْقِدِّ - أَ أَقْنَعُ مِنْ نَفْسِي بِأَنْ يُقَالَ - هَذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ - وَلَا أُشَارِكُهُمْ فِي مكَاَرهِِ الدَّهْرِ - أَوْ أَكُونَ أُسْوَةً لَهُمْ فِي جُشُوبَةِ الْعَيْشِ - فَمَا خُلِقْتُ لِيَشْغَلَنِي أَكْلُ الطَّيِّبَاتِ - كَالْبَهِيمَةِ الْمَرْبُوطَةِ هَمُّهَا عَلَفُهَا - أَوِ الْمُرْسَلَةِ شُغُلُهَا تَقَمُّمُهَا - تَكْتَرِشُ مِنْ أَعْلَافِهَا وَتَلْهُو عَمَّا يُرَادُ بِهَا - أَوْ أُتْرَكَ سُدًى أَوْ أُهْمَلَ عَابِثاً -