الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

446

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

قال ابن أبي الحديد : ناظر المأمون البوشنجاني في مسألة كلاميّة ، فجعل يستخذي له ، فقال له المأمون : أراك تنقاد إليّ ما أقوله لك قبل وجوب الحجّة عليك ، وقد ساءني منك ذلك ، ولو شئت ان اقتسر الأمور بعزّة الخلافة وهيبة الرياسة لصدقت وان كنت كاذبا وعدلت وان كنت جائرا وصوبت وان كنت مخطئا ، ولكن لا أقنع إلّا بإقامة الحجّة وإزالة الشبهة ، وإن أنقص الملوك عقلا وأسخفهم رأيا من رضي بقولهم : صدق الأمير وقال ابن المقفع في ( يتيمته ) : إيّاك إذا كنت واليا أن يكون من شأنك حبّ المدح والتزكية وأن يعرف الناس ذلك منك ، فتكون ثلمة يقتحمون عليك منها وبابا يفتحونك منه وغيبة يغتابونك بها ويسخرون منك لها ( 1 ) « ولست بحمد اللّه كذلك ، ولو كنت أحبّ أن يقال ذلك لتركته انحطاطا للهّ سبحانه عن تناول ما هو أحق به من العظمة والكبرياء » . جاء في ( الكافي ) عن الصادق عليه السلام : أوحى اللّه إلى داود : كما أن أقرب النّاس من اللّه ، المتواضعون كذلك أبعد الناس المتكبّرون . ونقل أيضا عن الباقر عليه السلام : أنّ ملكا أتى النبي صلّى اللّه عليه وآله فقال : إن اللّه تعالى مخيّرك بين أن تكون عبدا رسولا متواضعا أو ملكا رسولا . فنظر النبي صلّى اللّه عليه وآله إلى جبرئيل عليه السلام ، وأومأ جبرئيل بيده أن تواضع ، فقال النبي : عبدا متواضعا رسولا ( 2 ) . وفي ( عقاب الأعمال ) عن الصادق عليه السلام : الكبرياء رداء اللّه ، فمن نازعه شيئا من ذلك كبه اللّه في النار ( 3 ) ( 4 ) .

--> ( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 11 : 104 ، والنقل بتصرف يسير . ( 2 ) الكافي 2 : 122 و 123 ح 5 و 11 . ( 3 ) عقاب الأعمال : 264 ح 2 . ( 4 ) لم يتعرض الشارح بشرح فقره « وربما استحلى الناس الثناء بعد البلاء » .