الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

432

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

فأجابه أمير المؤمنين عليه السلام : إنّ من حقّ من عظم جلال اللّه في نفسه وجلّ موضعه من قلبه أن يصغر عنده لعظم ذلك كلّ ما سواه ، وإنّ أحقّ من كان كذلك لمن عظمت نعمة اللّه عليه ولطف إحسانه إليه ، فانهّ لم تعظّم نعمة اللّه على أحد إلّا زاد حقّ اللّه عليه عظما ، وإنّ من أسخف حالات الولاة عند صالح النّاس أن يظنّ بهم حبّ الفخر ، ويوضع أمرهم على الكبر ، وقد كرهت أن يكون جال في ظنكم أنّي أحبّ الإطراء ، واستماع ، الثناء ، ولست بحمد اللّه كذلك ، ولو كنت أحبّ أن يقال ذلك لتركته انحطاطا للهّ سبحانه عن تناول ما هو أحق به من العظمة والكبرياء وربّما استحلى الناس الثناء بعد البلاء ، فلا تثنوا علي بجميل ثناء لإخراجي نفسي إلى اللّه وإليكم من البقيّة في حقوق لم أفرغ من أدائها وفرائض لابدّ من إمضائها ، فلا تكلّموني بما تكلّم به الجبابرة ، ولا تتحفظوا منّي بما يتحفّظ به عند أهل البادرة ، ولا تخالطوني بالمصانعة ، ولا تظنّوا بي استثقالا في حقّ قيل لي ولا التماس إعظام لنفسي لما لا يصلح لي ، فانهّ من استثقل الحقّ أن يقال له أو العدل أن يعرض عليه ، كان العمل بهما أثقل عليه ، فلا تكفّوا عن مقالة بحقّ أو مشورة بعدل ، فإنّي لست في نفسي بفوق ما إن أخطيء ، ولا آمن ذلك من فعلي إلّا أن يكفي اللّه من نفسي ما هو أملك به منّي ، فإنّما أنا وأنتم عبيد مملوكون لربّ لا ربّ غيره ، يملك منّا مالا نملك من أنفسنا وأخرجنا مما كنّا فيه إلى ما صلحنا عليه ، فأبدلنا بعد الضلالة بالهدى وأعطانا البصيرة بعد العمى . فأجابه الرجل الّذي أجابه من قبل ، فقال : أنت أهل ما قلت واللّه واللّه - فوق ما قلته ، فبلاؤه عندنا ما لا يكفر ، وقد حمّلك اللّه تعالى رعايتنا وولّاك سياسة أمورنا فأصبحت علمنا الّذي نهتدي به وإمامنا الّذي نقتدي به ، وأمرك كلهّ رشد ، وقولك كلهّ أدب ، قد قرّت بك في الحياة أعيننا ، وامتلأت من سرور بك قلوبنا ، وتحيّرت من صفة ما فيك من بارع الفضل عقولنا ، ولسنا نقول لك