الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

431

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

وطمع في بقاء الدولة ويئست مطامع الأعداء ، وإذا غلبت الرعية وإليهم والوالي الرعيّة اختلفت هنالك الكلمة ، وظهرت مطامع الجور ، وكثر الإدغال في الدين وتركت معالم السنن ، فعمل بالهوى ، وعطلت الآثار ، وكثرت علل النفوس ، ولا يستوحش لجسيم حدّ عطل ولا لعظيم باطل اثل ، فهنالك تذل الأبرار وتعزّ الأشرار وتخرب البلاد وتعظم تبعات اللّه عزّ وجلّ عند العباد . فهلمّ أيّها النّاس إلى التعاون على طاعة اللّه عزّ وجلّ والقيام بعد له والوفاء بعهده ، والإنصاف له في جميع حقهّ ، فإنهّ ليس العباد إلى شيء أحوج منهم إلى التناصح في ذلك وحسن التعاون عليه ، وليس أحد - وان اشتدّ على رضا اللّه حرصه وطال في العمل اجتهاده - ببالغ حقيقة ما أعطى اللّه من الحقّ أهله ، ولكن من واجب حقوق اللّه عزّ وجلّ على العباد ، النصيحة له بمبلغ جهدهم ، والتعاون على إقامة الحقّ فيهم ، ثم ليس امرؤ - وإن عظمت في الحقّ منزلته وجسمت في الحقّ فضيلته بمستغن عن أن يعان على ما حملّه اللّه عزّ وجلّ من حقهّ ، ولا لامرئ مع ذلك ، وإن خسئت به الأمور ، واقتحمته العيون ، بدون ما أن يعين على ذلك ويعان عليه ، وأهل الفضيلة في الحال وأهل النعم العظام أكثر في ذلك حاجة ، وكلّ في الحاجة إلى اللّه عزّ وجلّ شرع سواء . فأجابه رجل من عسكره لا يدري من هو ، ويقال إنهّ لم ير في عسكره قبل ذلك اليوم ولا بعده : فقام - وأحسن الثناء على اللّه عزّ وجلّ بما أبلاهم وأعطاهم من واجب حقه عليهم والاقرار بكل ما ذكر من تصرف الحالات به وبهم - ثم قال : أنت أميرنا ، ونحن رعيتك ، بك أخرجنا اللّه عزّ وجلّ من الذل وبإعزازك أطلق عباده من الغل ، فاختر علينا وأمض اختيارك وائتمر فامض ايتمارك ، فإنك القائل المصدّق والحاكم الموفّق والملك المخوّل ، لا نستحلّ في شيء من معصيتك ولا نقيس علما بعلمك ، يعظم عندنا في ذلك خطرك ، ويجلّ عنه في أنفسنا فضلك