الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
39
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
قصته مع الخنفساء فلا يصحّ أن يخاطب عليه السلام الحجّاج بأبي وذحة إلّا بأن نقول أنهّ شبهّ الخنفساء بالوذحة بكونه أمرا عرفيا . فلمّا كان الحجّاج مات من ورم يده بقرص خنفساء أو كان يمسك الخنفساء في موضع حكاكه كان أبا وذحة أي أبا خنفساء . وإن صحّ الأوسطان منها فخاطبه بأبي وذحة لأنهّ كان يسمّي الخنفساء وذحة الشيطان . ثمّ كأنّ الأصل فيهما واحد بكون الثالث تفصيل الثاني ، وكيف كان فلا تنافي بين الوجوه بأن يصحّ الجميع إن ثبت النقل سوى الأخير منها . فإنهّ بظاهره ينافي الأولى لا سيّما الوسطين أو الوسط . وأما قوله : فيغلب على ظنّي أنهّ أراد معنى آخر . . . ، فبلا معنى فإنّ عبد الملك كان يقال له أبو الذبّان لأنّ الذبّان كانت تجتنبه لبخره ، وأبو زنّة كنية القرد وكان - كما في ( المروج ) - ليزيد قرد خبيث مكّنى بأبي قيس يحضره مجلس منادمته ، ويطرح له متّكأ وكان يحمله على أتان وحشية قد ريضت وذلّلت لذلك بسرج ولجام ، ويسابق بها الخيل يوم الحلبة فجاء في بعض الأيّام - وعليه قباء من الحرير الأحمر والأصفر مشهر ، وعلى رأسه قلنسوة من الحرير ذات ألوان - سابقا فتناول القصبة ، ودخل الحجرة قبل الخيل ( 1 ) ، وحينئذ فلا يصحّ أن يقال للحجاج أبا وذحة إلّا بواحدة من تلك الوجوه على ما عرفت حتّى تحصل مناسبة ، وحينئذ فليس هو معنى آخر . كما أنّ قوله : ويمكن أيضا أن يكنيّه بذلك لدمامته . . . ، أيضا بلا معنى فإنهّ لو كان عليه السلام خاطبه لدمامته وعيوب خلقته لقال له يا وذحة لا أبا وذحة كما قال بعض الأعراب في عدوّ له شديد السواد : عاديتنا يا خنفسا أم الجعل * عداوة الأوعال حيات الجبل ولو كانت تكنيته بأبي وذحة بدمامته صحيحة لكانت للجاجته أنسب .
--> ( 1 ) مروج الذهب 3 : 67 .