الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
407
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
وغارت نجومه وهو قابض على لحيته يتململ تململ السليم ويبكي بكاء الحزين وهو يقول : يا دنيا أبي تعرضت أم إليّ تشوّقت - إلى أن قال - : فبكى معاوية وقال : حسبك يا ضرار ، كذلك واللّه كان علي ، رحم اللّه أبا الحسن ( 1 ) وروى ( الاستيعاب ) عن حاله عليه السلام عن الحرمازي قال : قال معاوية لضرار الصدائي : صف لي عليا . قال : اعفني ، قال : لتصفنهّ قال : أما إذ لا بدّ من وصفه فكان واللّه بعيد المدى شديد القوى ، يقول فصلا ويحكم عدلا ، يتفجّر العلم من جوانبه وتنطق الحكمة من نواحيه ، ويستوحش من الدنيا وزهرتها ويستأنس بالليل ووحشته ، وكان غزير العبرة طويل الفكرة ، يعجبه من اللباس ما قصر ومن الطعام ما خشن ، كان فينا كأحدنا يجيبنا إذا سألناه وينبئنا إذا استنبأناه ونحن واللّه مع تقريبه إيّانا وقربه منّا لا نكاد نكلمّه هيبة له ، يعظّم أهل الدين ويقرّب المساكين ، لا يطمع القوي في باطله ولا ييأس الضعيف من عدله ، وأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدلته وغارت نجومه قابضا على لحيته يتململ تململ السليم ويبكي بكاء الحزين ويقول : يا دنيا غرّي غيري ، ألي تعرضت أم أليّ تشوّقت ، هيهات هيهات قد باينتك ثلاثا لا رجعة فيها ، فعمرك قصير وخطرك حقير ، آه ، من قلّة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق ، فبكي معاوية وقال : رحم اللّه أبا الحسن ، كان واللّه كذلك فكيف حزنك عليه يا ضرار قال : حزن من ذبح ولدها وهو في حجرها ( 2 ) وقال ابن أبي الحديد : رواه الرياشي ونقلته من كتاب عبد اللّه بن إسماعيل الحلبي في التذييل على النهج ، قال : دخل ضرار على معاوية - وكان
--> ( 1 ) أمالي الصدوق : 499 ح 2 ، المجلس 91 . ( 2 ) الاستيعاب 3 : 43 .