الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

18

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

متنكّبا قوسه . فجلس واضعا إبهامه على فيه . فقال بعضهم لبعض : قوموا حتّى نحصبه . فقال بعض : حتّى نسمع ما يقول . فمن قائل يقول : حصر الرجل ، ومن قائل يقول : أعرابي ما أبصر حجتّه . فلمّا غصّ المجلس بأهله حسر اللثام عن وجهه ثمّ قام ونحىّ العمامة عن رأسه . فو اللّه ما حمد اللّه ولا أثنى عليه ، ولا صلّى على نبيهّ ، وكان أوّل ما بدأهم به أن قال : أنا ابن جلا وطلّاع الثنايا * متى أضع العمامة تعرفوني - إلى أن قال - واعلموا أنهّ ليس منّي الإكثار والإهذار ، ولا منكم الفرار والنفار . إنّما هو انتضاء السيف ثم لا اغمده في شتاء ولا صيف حتّى يقيم اللّه للخليفة أودكم - إلى أن قال - . يا غلام اقرأ عليهم كتاب الخليفة . فقرأ القاري « أما بعد . سلام عليكم فإنّي أحمد إليكم اللّه » فقال له : اقطع . يا عبيد العصا يسلم عليكم الخليفة فلا يردّ رادّ منكم السلام هذا أدب ابن نهية - وهو صاحب شرطة كان بالعراق - أما واللّه لأؤدّبنّكم غير هذا الأدب . يا غلام ابدأ بالكتاب . فلمّا بلغ إلى قوله « سلام عليكم » لم يبق منهم أحد إلّا قال : وعلى الخليفة السلام ( 1 ) . وفي ( تاريخ الطبري ) : ولاّه عبد الملك على العراق بعد أخيه بشر . فدخل الكوفة حين انتشر النهار فجأة . فصعد المنبر وقال : أما واللّه إنّي لأحمل الشرّ محمله وأخذوه بنعله ، وأجزيه بمثله ، وإنّي لأرى رءوسا قد أينعت ، وحان قطافها وإنّي لأري الدماء بين العمائم واللحى قد شمّرت عن ساقها تشميرا . هذا أو ان الشدّ فاشتدّي زيم * قد لفّها الليل بسوّاق حطم ليس براعي إبل ولا غنم * ولا بجزّار على ظهر وضم قد لفّها الليل بعصلبيّ * أورع خراج من الدّويّ

--> ( 1 ) مروج الذهب 3 : 126 - 129 ، والنقل بتلخيص .