الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
94
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
قلت : إذا كان الخبر صحيحا ، ورواه الناس كلهم كما اعترف به في كلامه ، فلم رمز عن عمر وقد اتفقت التواريخ أيضا سوى الآثار على إنكار عمر في الحديبية على النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم وردهّ عليه ، ومن الغريب اعتذار ابن أبي الحديد عنه بأنّ سؤاله كان التماسا لطمأنينة النفس كإبراهيم ، وإن قول أبي بكر : « الزم غزره فو اللّه انه لرسوله » تثبيت على عقيدته ، ولا يدلّ على الشك كما قال تعالى وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا ( 1 ) . فعلى قول ابن أبي الحديد إذا صار عمر بالاعتراض على النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم نبيّا مرسلا كإبراهيم ، لم لم يعترض على اللّه حتى يصير عند ابن أبي الحديد إلها نعوذ باللهّ من العصبية إلى أي درجة تصل ، وكيف يعتذر له بعدم الشك ، وقد ذكر الثعلبي عند ذكر سورة الفتح ، وغيره من الرواة أنّ عمر قال : « ما شككت منذ أسلمت إلّا يومئذ » ( 2 ) . ولنعم ما قال صاحب ( الطرائف ) في قول عمر « فلم نعطي هذه الدنية في ديننا » فهلّا كانت هذه الشجاعة منه في يوم حنين ، وخيبر وغيرهما من الغزوات الّتي هرب فيها وخالف اللّه ورسوله . قال : ومن طريف ذلك أنّ عمر بعد ما أخبره نبيهم بالجواب عن سؤاله واعتذر عن دخول مكّة لا يلتفت إلى جواب نبيّهم ، ولا اعتذاره ، ويأتي إلى أبي بكر فيعيد عليه تلك الموافقة وشكهّ في الإسلام ، ويلتمس من أبي بكر الجواب ، فأعاد عليه أبو بكر ما سمعه من نبيهم . قال : ومن طريف ذلك : إقدامه على نبيّهم في مثل تلك الحال من شدّة الحاجة إلى عون المسلمين لنبيهم بالقول والفعل ، فكان ذلك الموقف موقف
--> ( 1 ) الاسراء : 74 . ( 2 ) رواه عن الثعلبي وغيره ابن طاوس في الطرائف 2 : 441 .