الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

76

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

كانت وردت المدينة لتستميح الناس ، وجعل لها جعلا ان توصله إلى قوم سمّاهم لها من أهل مكّة ، وأمرها أن تأخذ على غير الطريق ، فنزل الوحي بذلك . فاستدعى النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم أمير المؤمنين عليه السلام وقال له : إنّ بعض أصحابي قد كتب إلى أهل مكّة يخبرهم بخبرنا ، وقد كنت سألت اللّه تعالى أن يعمّي أخبارنا عليهم ، والكتاب مع امرأة سوداء قد أخذت على غير الطريق ، فخذ سيفك والحقها ، وانزع الكتاب منها وخلّها . ثم استدعى النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم الزبير ، وقال : له امض مع علي في هذا الوجه ، فمضيا ، وأخذا على غير الطريق ، فأدركا المرأة ، فسبق إليها الزبير ، فسألها عن الكتاب الّذي معها . فأنكرته ، وحلفت أنهّ لا شيء معها ، وبكت . فقال الزبير : ما أرى يا أبا الحسن معها كتابا . فارجع بنا إلى النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم لنخبره ببراءة ساحتها . فقال عليه السلام : يخبرني النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم أنّ معها كتابا ، ويأمرني بأخذه منها ، وتقول أنت : لا كتاب معها ، ثم اخترط سيفه ، وتقدم إليها فقال : أما واللّه لئن لم تخرجي الكتاب لأكشفنك . ثم لأضربن عنقك . فقالت : إذا كان لا بدّ من ذلك . فأعرض بوجهك عنّي . فأعرض عليه السلام فكشفت قناعها ، وأخرجت الكتاب من عقيصتها ، فأخذه وصار به إلى النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم ( 1 ) . « وكنت أخفضهم صوتا » خفض الصوت من ممدوح الصفات ، وضدهّ من مذمومها . قال تعالى حاكيا عن لقمان لابنه : وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ( 2 ) » . « وأعلاهم فوتا » أي : من أن يفوت منه شيء ويسبق عليه ، وفي النهاية « فاتنى فلان بكذا » اي سبقني به ( 3 ) .

--> ( 1 ) رواه المفيد في الارشاد : 33 والواقدي في المغازي 2 : 797 ، وابن هشام في السيرة 4 : 29 . ( 2 ) لقمان : 19 . ( 3 ) النهاية 3 : 477 مادة فوت .