الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

475

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

والناس بعد صنائع لنا » ما صحّ به انّ الأمر لم يكن ليستقيم له يوما واحدا ، ولا ينتظم ولا يستمر ، وانهّ لو ولي الأمر لفتقت العرب عليه فتقا يكون فيه استيصال شافة الاسلام ، وهدم أركانه فأذعن بالبيعة ، وجنح إلى الطاعة ، وأمسك عن طلب الإمرة ، وإن كان على مضض ورمض . وقد روي عنه عليه السلام انّ فاطمة عليها السلام حرضّته يوما على النهوض والوثوب فسمع صوت المؤذن : « أشهد أنّ محمّدا رسول اللّه » فقال لها : أيسرّك زوال هذا النداء من الأرض قالت : لا . قال : فإنه ما أقول لك . وهذا المذهب أقصد المذاهب ، وعليه متأخرو بغدادي أصحابنا وبه نقول . واعلم أنّ حال علي عليه السلام في هذا المعنى أشهر من أن تحتاج في الدلالة عليها إلى الاطناب . فقد رأيت انتقاض العرب عليه من أقطارها حين بويع بالخلافة بخمس وعشرين سنة بعد وفاة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم ، وفي دون هذه المدّة تنسى الأحقاد وتموت الترات ، وتبرد الأكباد الحامية ، وتسلو القلوب الواجدة ، ويعدم قرن من الناس ، ويوجد قرن ولا يبقى من أرباب تلك الشحناء إلّا الأقل . فكانت حاله بعد هذه المدة الطويلة مع قريش كأنّها حاله لو أفضت الخلافة إليه يوم وفاة ابن عمه صلّى اللّه عليه وآله وسلم من إظهار ما في النفوس وهيجان ما في القلوب ، حتّى انّ الاخلاف من قريش ، والأحداث والفتيان الذين لم يشهدوا وقائعه ، وفتكاته في اسلافهم وآبائهم ، فعلوا به ما لو كانت الأسلاف أحياء لقصرت عن فعله وتقاعست عن بلوغ شأوه . فكيف كانت حاله لو جلس على منبر الخلافة ، وسيفه يقطر دما من مهج العرب . لا سيما من قريش الذين كان ينبغي لو دهمه خطب أن يعتضد بهم ، وعليهم كان يجب أن يعتمد ، إذن كانت تدرس اعلام الملّة ، وتعفى رسوم الشريعة ، وتعود الجاهلية الجهلاء إلى حالها ،