الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
474
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
كان منصوصا عليه نصّا جليّا بالخلافة تعلمه الصحابة كلّها أو أكثرها ، وأنّ ذلك النصّ خولف طلبا للرياسة الدنيوية ، وإيثارا للعاجلة ، وأنّ حال المخالفين للنصّ لا تعدو أحد أمرين إمّا الكفر أو الفسق فإنّ قرائن الأحوال لا تدلّ على ذلك بل على خلافه ، وهذا يقتضي أنه عليه السلام كان في مبتدأ الأمر يظنّ أن العقد لغيره كان عن غير نظر في المصلحة ، وأنه لم يقصد به إلّا صرف الأمر عنه والاستيثار عليه ، فظهر منه ما ظهر من الامتناع ، والقعود في بيته إلى أن صحّ عنده وثبت في نفسه أنّهم أصابوا في ما فعلوه ، وأنّهم لم يميلوا إلى هوى ، ولا أرادوا الدنيا ، وانّما فعلوا الأصلح في ظنونهم ، لأنهّ رأى من بغض الناس له ، وانحرافهم عنه وميلهم عليه ، وثوران الأحقاد الّتي كانت في أنفسهم ، واحتدام النيران الّتي كانت في قلوبهم ، والترات الّتي وترهم في ما قبل بها ، والدماء الّتي سفكها منهم وأراقها ، وتعلّل طائفة أخرى منهم للعدول بصغر سنهّ ، واستهجانهم تقديم الشبّان على الكهول والشيوخ ، وتعلّل طائفة أخرى بكراهة الجمع بين النبوّة والخلافة في بيت واحد فيتكبّرون على الناس كما قاله من قاله ، واستصعاب قوم منهم شكيمته ، وخوفهم شدتّه ، وعلمهم بأنهّ لا يحابي ولا يراقب في الدين ، وانّ الخلافة تحتاج إلى من يجتهد برأيه ، ويعمل بموجب استصلاحه ، وانحراف قوم آخرين عنه للحسد الّذي كان عندهم له في حياة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم بشدّة اختصاصه له وتعظيمه اياّه ، وما قال فيه فأكثر من النصوص الدالّة على رفعة شأنه ، وعلوّ مكانه ، وما اختصّ به من مصاهرته واخوتّه ، ونحو ذلك من أحواله معه ، وتنكّر قوم آخرين له لنسبتهم إليه العجب والتيه كما زعموا ، واحتقاره العرب واستصغاره الناس كما عددّوه عليه ، وان كانوا عندنا كاذبين ، ولكنه قول قيل وأمر ذكر ، وحال نسبت إليه ، وأعانهم عليها ما كان يصدر عنه من أقوال توهم مثل هذا نحو قوله « فإنّا صنائع ربّنا ،