الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
385
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
قومهم فأخبروهم بقلّة من أهل المدينة . فأطمعوهم فيها ، وعلم أبو بكر والمسلمون بذلك . فقال لهم : رأى وفدهم منكم قلّة وأنّكم لا تدرون أليلا تؤتون أم نهارا ، وأدناهم منكم على بريد ، وقد كان القوم يأملون أن نقبل منهم ونوادعهم ، وقد أبينا عليهم ونبذنا إليهم ، فاعدّوا واستعدّوا فخرج علي عليه السلام بنفسه . وكان على نقب من أنقاب المدينة ، وخرج طلحة والزبير وابن مسعود فكانوا على الأنقاب الثلاثة . فلم يلبثوا إلّا قليلا حتّى طرق القوم المدينة غارة مع الليل وخلّفوا بعضهم بذي حسا ليكونوا ردءا لهم ، فوافوا الأنقاب وعليها المسلمون ، وخرج أبو بكر في جمع من أهل المدينة على النواضح . فانتشر العدو بين أيديهم ، وأتبعهم المسلمون على النواضح حتّى بلغوا داحسا فخرج عليهم الكمين بأنحاء قد نفخوها ، وجعلوا فيها الحبال ثم دهدهوا بها في وجوه الإبل فتدهده كلّ نحي منها في طول . فنفرت إبل المسلمين وهم عليها ، ولا تنفر الإبل من شيء نفارها من الأنحاء فعاجت بهم لا يملكونها حتّى دخلت بهم المدينة ولم يصرع منهم أحد ولم يصب . فبات المسلمون تلك اللّيلة يتهيئون . ثم خرجوا على بغتة فما طلع الفجر الّا وهم والقوم في صعيد واحد . فلم يسمعوا للمسلمين حسّا ولا همسا ، حتّى وضعوا فيهم السيف . فاقتتلوا أعجاز ليلتهم فما ذرّ قرن الشمس إلّا وقد ولّوا الأدبار ، وغلبوا على عامّة ظهرهم ، ورجعوا إلى المدينة ظافرين ( 1 ) . قلت : ما نقله من الطبري من روايات سيفه الّذي له يد طولى في الجعل حتّى في وضع الأشعار والرجال والأمكنة لما يضع ، وأصل ارتداد طليحة معلوم لكن صحّة باقي خصوصيات ما نقل غير معلومة .
--> ( 1 ) رواه الطبري في تاريخه 2 : 476 ، سنة 11 ، وعنه ابن أبي الحديد في شرحه 4 : 165 ، شرح الكتاب 62 ، والنقل بتصرف .