الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

355

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

وفي السير : إنّ المنصور لما وجهّ موسى بن عيسى لمحاربة محمّد بن عبد اللّه الحسني بالمدينة قال له : فإذا ظفرت به ، فلا تخيفنّ أهل المدينة ، وعمّهم بالعفو ، فانّهم الأصل والعشيرة ، وجيران قبر النبي ، فهذه وصيتي إيّاك لا كما أوصى يزيد بن معاوية مسلم بن عقبة لمّا وجهّه إلى المدينة ، فأمره أن يقتل من ظهر إلى ثنية الوداع ، وأن يبيحها ثلاثة أيّام . ففعل . فلمّا بلغ يزيد ما فعل تمثّل بقول ابن الزبعرى في يوم أحد حين قال : ليث أشياخي ببدر شهدوا * جزع الخزرج من وقع الأسل ثم الغريب أنّ أبا بكر وعمر وأبا عبيدة ومن ساعدهم من الأنصار لأغراض شخصية كبشير بن سعد الخزرجي ، وأسيد بن حضير الأوسي وقد كان النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم أمر بإخراجهما مع الثلاثة في جيش اسامة ، ولعن المتخلّف عنه كما رواه الجوهري ، والشهرستاني في ( السقيفة ) و ( الملل ) ( 1 ) ، وكان قومهما استنكفوا من فعلهما . فتزعم الأوس أنّ أوّل من بايع أبا بكر بشير الخزرجي ، وتزعم الخزرج أنّ أوّل من بايعه أسيد الأوسي كما صرّح بذلك محمّد بن إسحاق صاحب المغازي ( 2 ) فنسب كلّ منهما السبقة في بيعة أبي بكر إلى خصمه اطنبوا في الاتيان بحجة في قبال الأنصار . فليأتوا بطائل ، ولم يستطيعوا الاتيان بهذه الحجّة المختصرة الّتي بيّنها أمير المؤمنين عليه السلام من وصيّة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم بهم فانّها جملة قصيرة تحسم مادّة شغبهم . ولقد أراد عمرو بن العاص مع دهائه ردّ الأنصار فقال : « إن كانوا سمعوا قول النبي : الأئمة من قريش ثم ادّعوها لقد هلكوا وأهلكوا ، وان كانوا

--> ( 1 ) رواه الجوهري في السقيفة : 75 ، والشهرستاني في الملل والنحل 1 : 29 وأبو القاسم الكوفي في الاستغاثة : 25 ، والقاضي النعمان في دعائم الاسلام 1 : 41 . ( 2 ) رواه عنه ابن أبي الحديد في شرحه 2 : 7 ، شرح الخطبة 65 .