الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

276

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

قلوبهم المكذّب بقلبه وإن أقرّ بلسانه ، الناقص المنزلة عند المسلمين ، القاعد في أخريات الصف ، إذ أدخل إلى مجلس فيه أهل السوابق من المهاجرين كيف يخطر ببال أحد أنّها تصير فيه ، ويملكها ويوسمه الناس وسمها ، ويكون للمؤمنين أميرا ، ويصير هو الحاكم في رقاب أولئك العظماء من أهل الدين والفضل ، وهذا أعجب من العجب أن يجاهد النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم قوما بسيفه ولسانه ثلاثا وعشرين سنة ، ويلعنهم النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم ويبعدهم عنه وينزل القرآن بذمّهم ولعنهم والبراءة منهم . فلمّا تمّت له الدولة ، وغلب الدين على الدنيا ، وصارت شريعة دينية محكمة مات . فشيّد دينه الصالحون من أصحابه ، وأوسعوا رقعة ملتّه ، وعظم قدرها في النفوس . فتسلّمها منهم أولئك الأعداء الّذين جاهدهم النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم . فملكوا وحكموا فيها ، وقتلوا الصلحاء والأبرار ، وأقارب نبيّهم الّذين يظهرون طاعته ، وآلت تلك الحركة الأولى والاجتهاد السابق إلى أن كان ثمرته لهم ، فليته صلّى اللّه عليه وآله وسلم كان يبعث فيرى معاوية الطليق وابنه ، ومروان وأبناءه خلفاء في مقامه . يحكمون على المسلمون . فوضح أن معاوية في ما يكاتبه ، ويراجعه كصاحب الأحلام . وامّا تشبيهه إياّه بالقائم مقاما بهظه ، فلأنّ الحجج والشبّه والمعاذير الّتي يذكرها معاوية في كتبه أوهن من نسج العنكبوت . فهو حال ما يكتب كالقائم ذلك المقام يخبط خبط العشواء ويكتب ما يعلم هو والعقلاء انهّ سفه باطل - إلخ ( 1 ) . قلت : أمّا ما قاله من أنّ معاوية لو كان رأي في نومه في زمان النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم أنهّ يصير خليفة يعدهّ من أضغاث الأحلام لأنهّ كان أبعد الخلق منه ، فليس كما قال بل كان ينتظره وهو ، وان كان محاربا للهّ أكثر أيام رسوله

--> ( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 4 : 233 .