الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

174

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

واين موضع الشفقة على فاطمة العزيزة عنده الحبيبة إلى قلبه تقول : انهّ احبّ ان يجعلها كواحدة من فقراء المدينة تتكفف الناس ، وان يجعل عليا المكرّم المعظّم عنده الّذي كانت حاله معه معلومة كأبي هريرة الدوسي ، وأنس بن مالك الأنصاري يحكم الامراء في دمه وعرضه ونفسه وولده فلا يستطيع الامتناع ، وعلى رأسه مئة ألف سيف مسلول يتلظى أكباد أصحابها عليه ، ويودّون ان يشربوا دمه بأفواههم ، ويأكلوا لحمه بأسيافهم . قد قتل أبناءهم واخوانهم وآباءهم ، وأعمامهم ، والعهد لم يطل ، والقروح لم تتعرق ، والجروح لم تندمل . قال : فقلت : لقد أحسنت في ما قلت الّا أنّ لفظه عليه السلام يدل على أنه لم يكن نصّ عليه . ألا تراه يقول « ونحن الأعلون نسبا ، والأشدّون بالرسول نوطا » فجعل الاحتجاج بالنسب ، وشدة القرب ، فلو كان عليه نصّ لقال عوض ذلك « وانا المنصوص علي والمخطوب باسمي » . فقال - رحمه اللّه - انما اتاه من حيث يعلم لا من حيث يجهل . ألا ترى أنهّ سأله فقال : « كيف دفعكم قومكم عن هذا المقام وأنتم أحق به » أي : باعتبار الهاشمية والقربى . فأجابه بجواب أعاد قبله المعنى الّذي تعلّق به الأسدي تمهيدا للجواب . فقال عليه السلام : « انّما فعلوا ذلك مع انّا أقرب إلى النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم من غيرنا لانّهم استأثروا علينا » ولو قال له « انا المنصوص علي والمخطوب باسمي في حياة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم » لما كان قد اجابه لأنه ما سأله « هل أنت منصوص عليك أم لا وهل نصّ النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم بالخلافة على أحد أم لا » وانما قال « لم دفعكم قومكم عن الامر وأنتم أقرب إلى ينبوعه ومعدنه منهم فاجابه جوابا ينطبق على السؤال ويلائمه .