الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
173
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
أقاربه وأهله . فإن لم يظفروا بأحدهم قتلوا واحدا أو جماعة من تلك القبيلة ، وان لم يكونوا رهطه الادنين والاسلام لم يحل طبائعهم ، ولا غيّر هذه السجيّة المركوزة في أخلاقهم ، والغرائز بحالها فكيف يتوهم لبيب انّ هذا العاقل وتر العرب ، وعلى الخصوص قريشا ، وساعده على سفك الدماء ، وازهاق الأنفس وتقلد الضغائن ابن عمه الأدنى وصهره ، وهو يعلم أنه سيموت كما يموت الناس ويتركه بعده ، وعنده ابنته ، وله منها ابنان يجريان عنده مجرى ابنين من ظهره حنوّا عليهما ، ومحبّة لهما ، ثم يعدل عنه في الامر بعده ، ولا ينصّ عليه ، ولا يستخلفه فيحقن دمه ، ودم بنيه وأهله باستخلافه ألا يعلم هذا العاقل الكامل أنه إذا تركه وترك بنيه وأهله سوقة ورعية فقد عرّض دماءهم للاراقة بعده ، بل يكون هو الذي قتلهم ، وأشاط بدمائهم ، لأنهم لا يعتصمون بعده بأمر يحميهم ، وإنّما يكونون مضغة للآكل ، وفريسة للمفترس ، يتخطّفهم الناس ، ويبلغ فيهم الاغراض فأمّا إذا جعل السلطان فيهم والأمر إليهم فإنه يكون قد عصمهم وحقن دماءهم بالرياسة التي يصولون بها ، ويرتدع الناس عنهم لأجلها ، ومثل هذا معلوم بالتجربة . ألا ترى أنّ ملك بغداد أو غيرها من البلاد لو قتل الناس ووترهم وأبقى في نفوسهم الأحقاد العظيمة عليه ثم أهمل أمر ولده وذريته من بعده ، وفسح للناس أن يقيموا ملكا من عرضهم ، وجعل بنيه سوقة كبعض العامة ، لكان بنوه بعده قليلا بقاؤهم سريعا هلاكهم ، ولوثب عليهم ذوو الأحقاد والتراث من كل جهة يقتلونهم ويشرّدونهم كل مشرّد ، ولو انهّ عيّن واحدا من أولاده للملك ، وقام خواصهّ وخدمه وخوله بأمره بعده ، لحقنت دماء أهل بيته ، ولم تطل يد أحد من الناس إليهم لناموس الملك ، وابّهة السلطنة ، وقوّة الرياسة ، وحرمة الامارة افترى ذهب عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم هذا المعنى أم أحبّ أن يستأصل أهله وذريتّه من بعده