الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

146

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم كان يجاور في حراء من كل سنة شهرا وكان يطعم في ذلك الشهر من جاءه من المساكين ، فإذا قضى جواره من حراء كان أوّل ما يبدأ به إذا انصرف أن يأتي باب الكعبة قبل أن يدخل بيته فيطوف بها سبعا أو ما شاء اللّه من ذلك ، ثم يرجع إلى بيته حتّى جاءت السنة الّتي أكرمه اللّه تعالى فيها بالرسالة ، فجاور في حراء شهر رمضان ومعه أهله خديجة وعلي بن أبي طالب وخادم لهم ، فجاءه جبرئيل بالرسالة ( 1 ) . قلت : كلامه عليه السلام متضمن أنّ في مدّة مجاورته صلّى اللّه عليه وآله وسلم في ذلك الجبل لا يراه غيره ، وخبره متضمن أنهّ يراه كل أحد فلا عبرة به . « ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الاسلام غير رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم وخديجة وأنا ثالثهما » روى أبو مخنف عن جابر عن تميم الناجي - وقد نقله ابن أبي الحديد في شرح كتابه عليه السلام إلى أهل الكوفة - قال : قدم علينا الحسن بن علي عليه السلام وعمّار يستنفران الناس إلى علي عليه السلام ومعهما كتابه ، فلمّا فرغا من قراءة كتابه قام الحسن عليه السلام - وهو فتى حدث واللّه إنّي لارثي له من حداثة سنهّ وصعوبة مقامه - فرماه الناس بأبصارهم - إلى أن قال - . فقال : ولقد علمتم أنّ عليّا عليه السلام صلّى مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم وحده ، وانهّ يوم صدّق به لفي عاشرة من سنهّ ، ثم شهد مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم جميع مشاهده ، وكان من اجتهاده في مرضاة اللّه ، وطاعة رسوله ، وآثاره الحسنة في الإسلام ما قد بلغكم ، ولم يزل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم راضيا عنه حتّى غمضّه بيده ، وغسلّه وحده ، والملائكة أعوانه ، والفضل ابن عمه ينقل إليه الماء ، ثم أدخله حفرته ، وأوصاه بقضاء دينه وعداته ، وغير ذلك من

--> ( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 3 : 254 .