الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

553

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

ودخلت البصرة في يوم الجمعة ، فإذا أنا بحلقة كبيرة ، وإذا أنا بعمرو بن عبيد عليه شملة سوداء متّزربها من صوف ، وشملة مرتديا بها ، والناس يسألونه ، فاستفرجت النّاس فأفرجوا لي ، ثمّ قعدت في آخر القوم على ركبتي ، ثمّ قلت : أيّها العالم أنا رجل غريب أتأذن لي أسألك عن مسألة فقال : نعم . قلت : ألك عين قال : أي شيء هذا من السؤال فقلت : هكذا مسألتي . فقال : يا بني سل ، وإن كانت مسألتك حمقاء . فقلت : أجبني فيها . فقال لي : سل . فقلت : ألك عين قال : نعم . قلت : فما ترى بها قال : الألوان والأشخاص . فقلت : ألك أنف قال : نعم . قلت : فما تصنع بها قال : أشمّ بها الرائحة . قلت : ألك فم قال : نعم . قلت : وما تصنع به قال : أعرف به طعم الأشياء . قلت : ألك لسان قال : نعم . قلت : وما تصنع به قال : أتكلّم به . قلت : ألك أذن قال : نعم . قلت : وما تصنع بها قال : أسمع بها الأصوات . قلت : ألك يد قال : نعم . قلت : وما تصنع بها قال : أبطش بها . قلت : ألك قلب قال : نعم . قلت : وما تصنع به قال : أميّز به كلّ ما ورد على هذه الجوارح . قلت : أفليس في هذه الجوارح غنى عن القلب قال : لا . قلت : وكيف ذلك ، وهي صحيحة سليمة قال : يا بني إنّ الجوارح إذا شكّكت في شيء شممّته أو رأته أو ذاقته أو سمعته أو لمسته ردتّه إلى القلب فيصحّح اليقين ، ويبطل الشك . فقلت : إنّما أقام اللّه القلب لشك الجوارح قال : نعم . قلت : فلا بدّ من القلب ، وإلّا لم تستقم الجوارح قال : نعم . فقلت : يا أبا مروان إنّ اللّه تعالى لم يترك جوارحك حتّى جعل لها إماما يصحّح الصحيح ، وييقن ما شك فيه ، ويترك هذا الخلق كلّهم في حيرتهم وشكّهم واختلافهم لا يقيم لهم إماما يردّون إليه شكّهم وحيرتهم قال : فسكت ولم يقل شيئا . ثمّ التفت إليّ ، فقال : أنت هشام قلت : لا . قال : أجالسته قلت : لا . قال : فمن أين أنت قلت : من الكوفة . قال : فأنت إذن هو . ثمّ ضمّني إليه وأقعدني في مجلسه ، وما نطق حتّى قمت . فضحك أبو عبد اللّه عليه السّلام وقال : من علّمك هذا فقال : شيء جرى على لساني .