الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
504
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
بذلك أن نتقوّى على البكاء ( 1 ) . « وإنّ المصاب بك لجليل » عنه صلى اللّه عليه وآله : من أصيب بمصيبة ، فليذكر مصيبته بي فإنّها من أعظم المصائب . هذا ، وفي ( عيون ابن قتيبة ) قال ابن الكلبي : لمّا قبض النبيّ صلى اللّه عليه وآله سمع بموته نساء من كندة وحضر موت ، فخضبن أيديهن وضربن بالدفوف ، فقال رجل منهم لأبي بكر في أياّمه : أبلغ أبا بكر إذا ما جئته * إنّ البغايا رمن أي مرام أظهرن من موت النبي شماتة * وخضبن أيديهنّ بالعلام فاقطع هديت أكفهن بصارم * كالبرق أومض من متون غمام فكتب أبو بكر إلى عامله ثمّة فأخذهن ، وقطّع أيديهن ( 2 ) . هذا ، ومما يدخل في الباب قول بعض الأدباء نثرا : لقد رزئنا من فلان عالما في شخص ، وأمّة في نفس ، مضى والمحاسن تبكيه ، والمناقب تعزّى فيه ، والعيون لما قرّت به أسخنها ريب المنون ، والصدور لمّا شرحت به قبضها فقد المقدور . فاح فتيت المسك من مآثره ، كما يفوح العبير من محابره . هذه المكارم تبدي شجوها لفقده ، وتلبس حدادها من بعده ، وهذه المحاسن قامت نوادبها مع نوادبه ، واقترنت مصائبها بمصائبه . « وإنهّ قبلك وبعدك لجلل » أي : هيّن ، قال امرؤ القيس - لمّا قتل أبوه : ألا كلّ شيء سواه جلل ( 3 ) . قالوا : نعي في أحد إلى امرأة من الأنصار أخوها وأبوها وزوجها ،
--> ( 1 ) الكافي للكليني 1 : 466 ح 9 ، والنقل بتلخيص . ( 2 ) عيون الأخبار لابن قتيبة 3 : 116 . ( 3 ) لسان العرب لابن منظور 11 : 117 مادة ( جلل ) وصدره : بقتل بني أسد ربّهم .