الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

31

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

ليستحسنوا بها ما استحسنت ، ويقرّوا بما أقرّت ، وينكروا ما أنكرت . وأجاب أهل الحقّ عن شبهتهم : بأنّ الرّسول لا يأتي أبدا بما يخالف العقول ، غير أنّ الأمور في العقل على ثلاثة أقسام : واجب ، وممتنع ، وجائز . فالواجب في العقل يأتي السّمع بإيجابه تأكيدا له عند من علمه ، وتنبيها عليه عند من لم يعلمه . والجائز يمكن في العقل حسنه تارة وقبحه أخرى . ومن الأمور التي لا يصل العقل فيها إلى القطع العلم بأدوية الاعلال ومواضعها وطبائعها وخواصّها ، ومقادير ما يحتاج إليها وأوزانها ، فهذا ممّا لا سبيل للعقل فيه إلى حقيقة العلم ، وليس يمكن امتحان كلّ ما في البرّ والبحر ، ولا تحسن التجربة والسبر ، لما فيهما من الخطر المستقبح في العقل الاقدام عليه ، فعلم أنّ هذا ممّا لا غناء فيه عن طارق السّمع . قالوا : وبعد فإنّ شكر المنعم عندنا ، وعند البراهمة ممّا هو واجب في العقل ، وليس في وجوبه ووجوب تعظيم مبدأ النعمة بيننا خلاف ، وشكر اللّه وتعظيمه أوجب ما يلزمنا لعظيم أياديه لدينا ، وإحسانه إلينا ، ولسنا نعلم بمبلغ عقولنا أيّ نوع يريده من تعظيمه منّا وشكره ، فلا بد أن يرسل إلينا رسلا يعرّفنا ما يريده منّا ( 1 ) . وأمّا الأخيرون ، فقال المفيد : اتّفقت الإمامية على أنّ العقل يحتاج في علمه ونتائجه إلى السّمع ، وأنهّ غير منفكّ عن سمع ينبهّ الغافل على كيفية الاستدلال ، وأنهّ لا بد في أوّل التكليف ، وابتدائه في العالم من رسول ، ووافقهم في ذلك أصحاب الحديث ، وأجمعت المعتزلة والخوارج والزيدية على خلاف

--> ( 1 ) الإشكال والجواب أوردهما بطولهما الكراجكي في كنز الفوائد : 101 ، وأما قول البراهمة في النبوّة ، فنقله الشهرستاني في الملل والنحل 2 : 258 ، والطوسي في تمهيد الأصول : 314 ، والاقتصاد : 152 ، وغيرهما .