الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

30

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

قال عليه السّلام ، كما يأتي بعد : « ولم يخل سبحانه خلقه من نبيّ مرسل أو كتاب منزل » ( 1 ) . وإنّ ابن أبي الحديد ( صحاح ) الجوهري قبلته ، يتبّعه في كلّ غثّ وسمين ، وقد قال : « والمواترة : المتابعة » ( 2 ) وإنّما قال بعد « ولا تكون المواترة بين الأشياء إلّا إذا وقعت بينها فترة ، وإلّا فهي مداركة ومواصلة » ( 3 ) مع أنّ ما ذكره أخيرا لم يعلم صحته ، فيكفي في صداق المواترة عدم كون بعثهم معا ، وإن كان الآخر متّصلا بالأوّل ، لعدم جواز إبقائه الأرض بغير حجّة . قال الجزري : إنّ في الحديث : ( ألف جمعهم وأوتر بين ميرهم ) ، أي : لا تقطع الميرة عنهم ، واجعلها تصل إليهم مرّة بعدمرّة ( 4 ) . وإنّما حصلت بين عيسى عليه السّلام ، ونبيّنا صلى اللّه عليه وآله وسلّم فترة من الرّسل ، لأنهّ كان له أوصياء ، كما لم تنقطع الحجّة بعد نبيّنا بأوصيائه صلوات اللّه عليهم . هذا ، وكما أنّ إثبات الصانع في مقابل الدهريين المنكرين لصانع العالم ، وإثبات التوحيد في مقابل الثنويين والمشركين المقرّين بأصل الصانع دون توحيده ، كذلك أصل النبوّة العامّة هنا في مقابل البراهمة القائلين بعدم جواز بعثة اللّه تعالى للرّسل وإثبات وجوبها في مقابل فرق من السّنة . أمّا الأوّلون وهم البراهمة ، فقالوا : لا يخلو أمر الرّسول من حالين : إمّا أن يأتي بما يدلّ عليه العقل أو بخلافه . فإن أتى بما في العقل كان من كمل عقله غنيّا عنه ، لأن الّذي يأتيه به مستقر عنده ، موجود في عقله ، وإن أتى بخلاف ما في العقل ، فالواجب ردّ ما يأتي به ، لأنّ اللّه تعالى إنّما خلق العقول للعباد

--> ( 1 ) يأتي في تكملة هذا العنوان . ( 2 ) صحاح اللغة 2 : 843 مادة ( وتر ) . ( 3 ) المصدر نفسه . ( 4 ) النهاية لابن الأثير 5 : 148 مادة ( وتر ) .