الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

246

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

الحمس - وأصل الحماسة : الشدّة - أنّهم تشدّدوا في دينهم ، وجعلوا لمن ولد واحدة من نسائهم من العرب ساكني الحلّ مثل مالهم بولادتهم ، ودخل معهم في ذلك كنانة وخزاعة وعامر ، لولادة لهم . ثمّ ابتدعوا فقالوا : لا ينبغي للحمس أن يعملوا الأقط ، ولا يسلؤوا السمن وهم حرم ، ولا يدخلوا بيتا من شعر ، ولا يستظلّوا إلّا في بيوت الأدم ما كانوا حرما . وقالوا : ولا ينبغي لأهل الحلّ أن يأكلوا من طعام جاءوا به معهم من الحلّ في الحرم ، إذا جاءوا حجّاجا أو عمّارا ، ولا يطوفون بالبيت طوافهم إذا قدموا إلّا في ثياب الحمس ، فإن لم يجدوا طافوا بالبيت عراة ، فإن أنف أحد من عظمائهم أن يطوف عريانا - إذا لم يجد ثياب الحمس - فطاف في ثيابه ألقاها إذا فرغ من الطواف ، ولا يمسّها هو ولا أحد غيره ، وكانوا يسمّونها اللقى . فدانت العرب لهم بذلك ، فكانوا يطوفون كما شرعوا لهم ، ويتركون أزوادهم التي جاءوا بها من الحلّ ، ويشترون من طعام الحرم ويأكلونه . هذا في الرجال ، وأمّا النساء ، فكانت تضع ثيابها كلّها إلّا درعها مفرّجا ، ثمّ تطوف فيه وتقول : اليوم يبدو بعضه أو كلهّ * وما بدا منه فلا أحلهّ فكانوا كذلك حتّي بعث اللّه محمّدا صلى اللّه عليه وآله وسلم فنسخه ، فأفاض من عرفات ، وطاف الحجّاج بالثياب الّتي معهم من الحلّ ، وأكلوا من طعام الحلّ في الحرم أيّام الحجّ ، وأنزل اللّه إنّ اللّه تعالى في ذلك : ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 1 ) أراد بالناس العرب ، وأمر قريشا أن يفيضوا من عرفات ، وأنزل اللّه تعالى في اللباس والطّعام الّذي من الحلّ وتركهم إياّه في الحرم : يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا

--> ( 1 ) البقرة : 199 .