الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

221

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ( 1 ) . « والجفوة الجافية » أي الغليظة ، فكانوا يفعلون أفعالا في غاية الشناعة ، ومنها وأد البنات ، وفي ( الكافي ) عن الصادق عليه السّلام : جاء رجل إلى النبيّ صلى اللّه عليه وآله فقال : إنّي قد ولدت بنتا وربّتها ، حتّى إذا بلغت ، فألبستها وحلّيتها ثمّ جئت بها إلى قليب ، فدفعتها في جوفه ، وكان آخر ما سمعت منها ، وهي تقول : يا أبتاه . فما كفّارة ذلك قال : ألك أمّ حيّة قال : لا . قال : فلك خالة حيّة قال : نعم . قال : فابررها ، فإنّها بمنزلة الامّ تكفّر عنك ما صنعت . قيل : متى كان هذا فقال : كان في الجاهلية ، وكانوا يقتلون البنات مخافة أن يسبين فيلدن في قوم آخرين ( 2 ) . « والناس يستحلّون الحريم » أي : الحرام ، فيرتكبونه بلا مبالاة . « ويستذلّون الحكيم » فضلا عن أن لا يعظمّوه ، في ( الأغاني ) خرج قيسبة بن كلثوم السكوني ، وكان ملكا يريد الحجّ - وكانت العرب تحجّ في الجاهلية فلا يعرض بعضها لبعض - فمرّ ببني عامر بن عقيل ، فوثبوا عليه ، فأسروه وأخذوا ماله وما كان معه ، وألقوه في القدّ ، فمكث فيه ثلاث سنين ، وشاع باليمن أنّ الجنّ استطارته . . . فتمشّى يوما في أغلاله وقيوده حتّى صعد أكمة ثمّ أقبل يضرب ببصره نحو اليمن وتغشاه عبرة ، فبكى ثمّ رفع طرفه إلى السماء وقال : اللّهم ساكن السماء فرّج لي ممّا أصبحت فيه ، إذ عرض له راكب ، فأشار إليه أن أقبل ، فكتب تحت خشبة رحله بالمسند أمره ، فجاء قومه فاستنقذوه ( 3 ) .

--> ( 1 ) سنن أبي داود 4 : 168 ح 4494 ، وسنن النسائي 8 : 18 ، وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والمستدرك للحاكم ، وسنن البيهقي عنهم الدر المنثور 2 : 285 والنقل بتصرف يسير ، والآية 50 من سورة المائدة . ( 2 ) الكافي للكليني 2 : 162 ح 18 . ( 3 ) لم أجده في الأغاني .