الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

190

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

ثم قال : كان النبيّ صلى اللّه عليه وآله دائم البشر ، سهل الخلق ، ليّن الجانب ، ليس بفظّ ولا غليظ ، ولا صخّاب ، ولا فحّاش ولا عيّاب ، يتغافل عمّا لا يشتهي ، ولا يدنس منه ، ولا يجنب فيه ، قد ترك نفسه من ثلاث : المراء والإكثار ، وممّا لا يعنيه ، وترك الناس من ثلاث : كان لا يذمّ أحدا ولا يعيرّه ، ولا يطلب عورته ، ولا يتكلّم إلّا في ما رجا ثوابه . إذا تكلّم أطرق جلساؤه كأنّما على رؤوسهم الطير ، فإذا سكت تكلّموا ، ولا يتنازعون عنده ، من تكلّم انصتوا له حتّى يفرغ ، حديثهم عنده حديث أوّ ليتهم ، يضحك ممّا يضحكون منه ، ويتعجّب ممّا يتعجبون منه ، ويصبر للغريب على الجفوة في منطقه ومسألته - إلى أن قال - : كان سكوت النبيّ صلى اللّه عليه وآله على أربع : على الحلم والحذر والتقرير والتفكّر ، فأمّا تقريره ففي تسوية النظر والاستماع من الناس ، وأمّا تذكرّه أو تفكرّه ففي ما يبقى ويفنى ، وجمع الحلم والصبر ، وكان لا يغضبه شيء ولا يستنفره ، وجمع له الحذر في أربع : أخذه بالحسني ليقتدى به ، وتركه القبيح ليتناهى عنه ، واجتهاده الرأي في ما أصلح أمتّه ، والقيام في ما جمع لهم الدّنيا والآخرة ( 1 ) . « وكلامه الفصل » قال صلى اللّه عليه وآله : أوتيت جوامع الكلم ( 2 ) . وليس بعد كلام اللّه تعالى كلام فوق كلامه ، وقد جمع جمع من العامة والخاصة كلمه صلى اللّه عليه وآله كالزجاجي صاحب المبرد ، ونفطويه النحوي ، وجعفر بن حمدان الموصلي ، والمصنّف في كتابه ( المجازات النبويّة ) .

--> ( 1 ) أخرجه ابن سعد في الطبقات 1 ق 2 : 129 ، والصدوق بثلاث طرق في معاني الأخبار : 79 ح 1 وبطريق واحد في عيون الأخبار 1 : 246 ، وقال الصدوق في ذيل الحديث في العيون : « وقد رويت هذه الصفة عن مشايخ بأسانيد مختلفة أخرجتها في كتاب النبوّة » . وهذا الكتاب مفقود . ( 2 ) هذا جزء من حديث أبي هريرة ، أخرجه بهذا اللفظ مسلم بطريقين في صحيحه 1 : 372 ح 7 ، 8 ، وجمع ابن الأثير في جامع الأصول 9 : 393 ح 6320 طرق أصحاب الصحاح واختلاف ألفاظهم .