الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
189
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
فضلهم في الدين ، فمنهم ذو الحاجة ، ومنهم ذو الحاجتين ، ومنهم ذو الحوائج ، فيتشاغل بهم ويشغلهم في ما أصلحهم والأمة من مسألته عنهم ، وإخبارهم بالّذي ينبغي لهم ، ويقول : ليبلّغ الشاهد الغائب ، وأبلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغي حاجته ، فإنهّ من أبلغ سلطانا حاجة من لا يستطيع إبلاغها إياّه ثبّت اللّه قدميه يوم القيامة . لا يذكر عنده إلّا ذلك ، ولا يقبل من أحد غيره ، يدخلون روّادا ولا يفترقون إلّا عن ذواق ويخرجون أدلّة . ثم قال : كان صلى اللّه عليه وآله يخزن لسانه إلّا ممّا يعنيهم ويؤلّفهم ولا يفرّقهم - أو قال : ينفّرهم - ويكرم كريم كلّ قوم ويوليّه عليهم ، ويحذر الناس ويحترس منهم ، من غير أن يطوي من أحد بشره ولا خلقه ، ويتفقّد أصحابه ، ويسأل الناس عمّا في الناس ، ويحسّن الحسن ويقويّه ، ويقبّح القبيح ويوهّنه . معتدل الأمر غير مختلف ، لا يغفل مخافة أن يغفلوا ، لكلّ حال عنده عاد ، لا يقصر عن الحقّ ولا يجوزه . الذين يلونه من الناس خيارهم ، أفضلهم عنده أعمّهم نصيحة ، وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مؤاساة وموازرة . ثمّ قال : كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله لا يجلس ولا يقوم إلّا عن ذكر ، لا يوطّن الأماكن ، وينهى عن إيطانها ، وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث انتهى به المجلس ، ويأمر بذلك ، يعطي كلّ جلسائه بنصيبه ، لا يحسب جليسه أنّ أحدا أكرم عليه منه ، من جالسه أو قاومه في حاجة صابره حتّى يكون هو المنصرف ، ومن سأله حاجة لم يردهّ إلّا بها أو بميسور من القول ، قد وسع الناس منه بسطه وخلقه ، فصار لهم أبا ، وصاروا في الحقّ عنده سواء . مجلسه مجلس حلم وحياء ، وصبر وأمانة ، لا ترفع فيه الأصوات ، ولا تؤبّن فيه الحرم ، ولا تنثى فلتأته ، متعادلين يتفاضلون فيه بالتقوى ، متواضعين يوقّرون فيه الكبير ويرحمون فيه الصغير ويؤثرون ذا الحاجة ويحفظون أو يحوطون الغريب .