الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

185

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

من قريش تجّارا إلى الشام ، وكان وجه متجرنا غزّة ، فقدمناها حين ظهر هرقل على من كان بأرضه من فارس ، وأخرجهم منها ، وانتزع له منهم صليبه الأعظم ، وكانوا قد استلبوه إياّه ، فلمّا بلغ ذلك منهم وبلغه أنّ صليبه قد استنقذ له ، وكانت حمص منزله ، خرج منها يمشي على قدميه متشكرا للهّ حين ردّ عليه ما ردّ ليصلّي في بيت المقدس ، تبسط له البسط ، وتلقى عليها الرياحين ، فلمّا انتهى إلى إيليا ، وقضى فيها صلاته ، ومعه بطارقته ، وأشراف الروم ، أصبح ذات غداة مهموما يقلّب طرفه إلى السماء ، فقال له بطارقته : قد أصبحت مهموما . قال : أجلّ أريت في هذه الليلة أنّ ملك الختان ظاهر . قالوا له : ما نعلم أمّة تختتن إلّا اليهود ، وهم في سلطانك ، فابعث إلى كلّ من لك عليه سلطان في بلادك ، مره ليضرب أعناق كلّ من تحت يديه من يهود واسترح من هذا الهمّ ، وأنّهم لفي ذلك من رأيهم يديرونه ، إذ أتاه رسول صاحب بصرى برجل من العرب يقوده - وكانت الملوك تهادى الأخبار بينها - فقال : إنّ هذا الرجل من أهل الشام والإبل ، يحدّث عن أمر حدث ببلاده عجب ، فسله عنه . فلمّا انتهى به إلى هرقل قال لترجمانه : سله ما كان فسأله ، فقال : خرج بين أظهرنا رجل يزعم أنهّ نبيّ ، وقد اتبّعه ناس وصدقّوه ، وخالفه ناس ، وقد كانت بينهم ملاحم في مواطن كثيرة ، فتركتهم على ذلك . فلمّا أخبره الخبر ، قال : جردّوه . فجردّوه ، فإذا هو مختون . فقال هرقل : هذا واللّه الذي أريت لا ما تقولون . أعطوه ثوبه . انطلق عنّا . ثم دعا صاحب شرطته ، فقال له : قلّب الشام لي ظهرا وبطنا حتّى تأتيني برجل من قوم هذا الرجل - يعني النبيّ صلى اللّه عليه وآله - قال أبو سفيان : وأنا بغزّة ، إذ هجم علينا صاحب شرطته ، فقال : أنتم من قوم هذا الرجل الّذي ظهر بالحجاز قلنا : نعم . قال : انطلقوا إلى الملك . فانطلقنا ، فلمّا انتهينا إليه ، قال : أنتم من رهط