الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
87
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
أبي عبد الرحمن السلمي القارئ ، وأبو عبد الرحمن كان تلميذه ، وعنه أخذ القرآن ( 1 ) ، فقد صار هذا الفن من الفنون التي تنتهي إليه أيضا مثل كثير ممّا سبق . وأمّا الرّأي والتّدبير فكان من أسدّ الناس رأيا وأصحّهم تدبيرا ، وهو الّذي أشار على عمر لمّا عزم على أن يتوجهّ بنفسه إلى حرب الرّوم والفرس بما أشار ( 2 ) ، وهو الّذي أشار على عثمان بأمور كان صلاحه فيها ، ولو قبلها لم يحدث عليه ما حدث ، وإنّما قال أعداؤه : لا رأي له ، لأنهّ كان مقيّدا بالشريعة لا يرى خلافها ولا يعمل بما يقتضي الدّين تحريمه ، وقد قال عليه السّلام : « لولا الدّين والتّقى لكنت أدهى العرب » ( 3 ) . وغيره من الخلفاء كان يعمل بمقتضى ما يستصلحه ويستوقفه سواء أكان مطابقا للشرع أم لم يكن . ولا ريب أنّ من يعمل بما يؤدّي إليه اجتهاده ، ولا يقف مع ضوابط وقيود يمتنع لأجلها ممّا يرى الصلاح فيه تكون أحواله الدنياويّة إلى الانتظام أقرب ، ومن كان بخلاف ذلك تكون أحواله الدنياويّة إلى الانتشار أقرب . وأمّا السياسة فإنهّ كان شديد السياسة ، خشنا في ذات اللّه ، لم يراقب ابن عمهّ في عمل كان ولاّه إياّه ، ولا راقب أخاه عقيلا في كلام جبهه به ، وأحرق قوما بالنّار ، ونقض دار مصقلة بن هبيرة ، ودار جرير بن عبد اللّه البجلي ، وقطع جماعة وصلب آخرين ( 4 ) . ومن جملة سياسته حروبه في أيّام خلافته بالجمل وصفّين والنهروان ، وفي أقلّ القليل منها مقنع ، فإنّ كلّ سائس في الدّنيا لم يبلغ فتكه
--> ( 1 ) قوله : كلّهم يرجعون إليه . لا يخلو من الإشكال ، فليراجع التّيسير لأبي عمرو الدانيّ : 8 - 10 وغيره من كتب القراءة . ( 2 ) نقله الشريف الرضي في نهج البلاغة 2 : 29 الخطبة ( 144 ) . ( 3 ) نقله الشريف الرضي في نهج البلاغة 2 : 180 الخطبة ( 198 ) بفرق . ( 4 ) كل ذلك نقله أهل التاريخ والآثار ، ولم يسع المقام لذكره .