الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

86

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

محافظته على ورده أن يبسط له نطع بين الصفّين ليلة الهرير فيصلّي عليه ورده والسهام تقع بين يديه وتمرّ على صماخيه يمينا وشمالا ( 1 ) ، فلا يرتاع لذلك ولا يقوم حتّى يفرغ من وظيفته وما ظنّك برجل كانت جبهته كثفنة البعير لطول سجوده ( 2 ) وأنت إذا تأمّلت دعواته ومناجاته ( 3 ) ، ووقفت على ما فيها من تعظيم اللّه سبحانه وإجلاله وما يتضمنّه من الخضوع لهيبته والخشوع لعزتّه والاستخذاء له عرفت ما ينطوي عليه من الإخلاص ، وفهمت من أيّ قلب خرجت وعلى أيّ لسان جرت ، وقيل لعليّ بن الحسين عليه السّلام - وكان الغاية في العبادة - : أين عبادتك من عبادة جدّك قال : عبادتي عند عبادة جدّي كعبادة جدّي عند عبادة النبي صلّى اللّه عليه وآله ( 4 ) . وأمّا قراءة القرآن والاشتغال به فهو المنظور إليه في هذا الباب ، اتّفق الكلّ على أنهّ كان يحفظ القرآن على عهد النبيّ صلّى اللّه عليه وآله ولم يكن غيره يحفظه ، ثمّ هو أوّل من جمعه ، نقلوا كلّهم أنهّ تأخّر عن بيعة أبي بكر ، فأهل الحديث لا يقولون ما تقوله الشيعة من أنهّ تأخّر مخالفة للبيعة ، بل يقولون : تشاغل بجمع القرآن . فهذا يدلّ على أنهّ أوّل من جمع القرآن ، لأنهّ لو كان مجموعا في حياة النبيّ صلّى اللّه عليه وآله لما احتاج إلى أن يتشاغل بجمعه بعد وفاته صلّى اللّه عليه وآله . وإذا رجعت إلى كتب القراءات وجدت أئمة القرّاء كلّهم يرجعون إليه ، كأبي عمرو بن العلاء ، وعاصم بن أبي النجود ، وغيرهما ، لأنّهم يرجعون إلى

--> ( 1 ) هذا المعنى نقله نصر بن مزاحم في وقعة صفين : 477 . ( 2 ) نقله الشريف الرضي في نهج البلاغة 2 : 103 الخطبة ( 180 ) عن نوف البكالي ، وله شاهد أخرجه زيد الزّراد في أصله : 3 عن علي عليه السّلام قال : « إني لأكره للرجل أن تكون جبهته جلحا ليس فيها شيء من أثر السجود » . ( 3 ) ضبط الشارح هذه الكلمة « مناجاتاته » وهذا غلط ، وأثبتنا الصحيح . ( 4 ) روى حديثا بهذا المعنى المفيد في الإرشاد : 255 ، والقاضي النعمان في شرح الأخبار 13 : 127 ، وابن شهرآشوب في المناقب 4 : 149 ، وبفرق الكليني في الكافي 8 : 129 ح 100 .