الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

85

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

وقد بقي هذا الخلق متوارثا متناقلا في محبيهّ وأوليائه إلى الآن ، كما بقي الجفاء والخشونة والوعورة في الجانب الآخر ، ومن له أدنى معرفة بأخلاق الناس وعدوائدهم يعرف ذلك . وأمّا الزّهد في الدّنيا فهو سيّد الزّهاد وبدل الأبدال وإليه تشدّ الرّحال وعنده تنفض الأحلاس . ما شبع من طعام قطّ ، وكان أخشن الناس مأكلا وملبسا ، قال عبد اللّه بن أبي رافع : دخلت إليه يوم عيد ، فقدّم جرابا مختوما ، فوجدنا فيه خبز شعير يابسا مرضوضا . فقدّم فأكل ، فقلت يا أمير المؤمنين كيف تختمه قال : خفت هذين الولدين أن يلتاّه بسمن أو زيت . وكان ثوبه مرقوعا بجلد تارة وبليف أخرى ، ونعلاه من ليف ، وكان يلبس الكرباس الغليظ ، فإذا وجد كمهّ طويلا قطعه بشفرة ولم يخطه ، فكان لا يزال متساقطا على ذراعيه حتّى يبقى سدى لا لحمة له ، وكان يأتدم - إذا ائتدم - بخلّ أو بملح ، فإنّ ترقّى عن ذلك فببعض نبات الأرض ، فإن ارتفع عن ذلك فبقليل من ألبان الإبل ، ولا يأكل اللحم إلّا قليلا ، ويقول : لا تجعلوا بطونكم مقابر الحيوان . وكان مع ذلك أشدّ الناس قوة وأعظمهم أيدا ، لم ينقص الجوع قوتّه ، ولا يخور الاقلال منتّه ، وهو الّذي طلّق الدنيا ، وكانت الأموال تجبى إليه من جميع بلاد الإسلام إلّا من الشام ، فكان يفرّقها ويمزّقها ، ثم يقول : هذا جناي وخياره فيه إذ كلّ جان يده إلى فيه ( 1 ) . وأمّا العبادة فكان أعبد الناس وأكثرهم صلاة وصوما ، ومنه تعلّم الناس صلاة الليل وملازمة الأوراد وقيام النافلة ، وما ظنّك برجل يبلغ من

--> ( 1 ) هذه المعاني رواها جمع كثير في باب زهده عليه السّلام ، منهم : ابن عبد البر في الاستيعاب 3 : 49 ، والخوارزمي في المناقب : 66 ، وابن شهرآشوب في المناقب 2 : 93 ، وابن الأثير في أسد الغابة 4 : 22 ، والإربلي في كشف الغمّة 1 : 162 ، والقندوزي في ينابيع المودة : 143 .